كنت في الثالثة من عمري حين وقعت هذه الحادثة فقد وُلدت عام ١٩٥٥ وفي العاشر من تشرين الثاني ١٩٥٨ اعترضت مقاتلتان سوريتان طائرة الملك الحسين بن طلال فوق سوريا. لم أكن يومها أعرف معنى الحدود ولا كيف تستطيع دقائق في السماء أن تضع حياة إنسان ومستقبل وطن أمام امتحان قاسٍ. أعود إلى الواقعة اليوم بعدما أمضيت أكثر من أربعين عامًا في الطيران فأقرأها بعين تعرف مسؤولية التحليق، وبقلب يحمل التقدير للملك الحسين الذي واجه الخطر ثم نظر إلى ما يمكن أن يترتب عليه من أخطار تمس بلده وأبناء شعبه.
كلما تقدمت بي السنوات ازداد اقتناعي بأن معنى الحوادث الكبرى لا يكتمل عند نهايتها الظاهرة فقد تعود الطائرة بسلام وتبقى أمام صاحب القرار مسؤولية أشد تعقيدًا. ماذا يفعل بالخوف الذي عاشه وبالغضب الذي أثاره الاعتداء؟ وكيف يحفظ حق بلده دون أن يفتح على الناس بابًا يصعب إغلاقه؟ في هذه الأسئلة أجد جانبًا من قيمة موقف الملك الحسين وأرى أن حكمته ظهرت في قدرته على إبقاء العواقب حاضرة حين كانت اللحظة تدعو إلى رد متعجل.
غادر الملك الحسين عمّان في طريقه إلى إجازة أوروبية على متن طائرة دي هافيلاند دوف ذات المحركين وكان معه الطيار البريطاني جوك دالغليش الذي درّبه على الطيران. وبحسب تقرير مجلة تايم المنشور في الرابع والعشرين من تشرين الثاني ١٩٥٨ كان الملك الحسين يقود الطائرة في بداية الرحلة ثم سلّم القيادة إلى دالغليش عندما تطورت الأزمة، وطُلب من الطائرة الهبوط في دمشق قبل أن تعترضها مقاتلتان سوريتان ويتمكن دالغليش من العودة بها إلى عمّان بسلام.
ولأمانة التاريخ ينبغي أن نميز بين ما حدث وما قيل عن مقاصده فقد نقلت وكالة أسوشيتد برس أن الملك الحسين وصف الواقعة بأنها محاولة لخطفه أو قتله، بينما ذكر تقرير تايم أن المقاتلتين نفذتا اقترابات هجومية دون إطلاق النار وتؤكد الوثيقة الدبلوماسية الأمريكية محاولة إجبار الطائرة على الهبوط. لذلك أقرأ الحادثة بوصفها خطرًا حقيقيًا مع إبقاء تفسير النيات في حدوده الموثقة فالتقدير الصادق للملك الحسين يستند إلى الواقعة وإلى موقفه منها ولا يحتاج إلى إضافات تزيد المشهد إثارة على حساب دقته.
وفي قمرة القيادة تصبح حماية الحياة مسؤولية تتقدم على ما عداها فالخطر يفرض على الإنسان أن يرى الظروف كما هي وأن يمنح الخبرة مكانها وأن يختار ما يحفظ سلامته وسلامة من معه. وقد تعلمت خلال سنوات الطيران أن القرار الجيد يحتاج إلى وضوح في الأولويات وإلى قدرة على العمل مع الآخرين حين تضيق مساحة الوقت ويصبح لكل تصرف أثر مباشر.
لهذا أرى في تسليم الملك الحسين القيادة إلى دالغليش علامة ثقة ونضج فالقائد الذي يعرف مسؤوليته يستطيع أن يفسح المجال لمن تستدعي اللحظة خبرته. ويستحق دالغليش أن يبقى حاضرًا في رواية الحادثة إذ يذكر تقرير تايم أنه خفض ارتفاع الطائرة واتجه بها نحو الحدود الأردنية أثناء الاعتراض، وحفظ دوره يمنحنا فهمًا أوفى للنجاة وللتعاون الذي أسهم فيها.
كانت العودة إلى عمّان قرارًا يحفظ الحياة وفيها معنى يستحق التأمل فقد يتمسك الإنسان بوجهته لأنه يثقل عليه تغيير ما قرره لكن المسؤولية تقتضي أن يعيد النظر حين تتغير الظروف. يمكن تأجيل الوصول أما الأرواح فلا يمكن استعادتها، ومن هنا أقرأ العودة بوصفها قدرة على ترتيب الأولويات تحت الضغط وعلى اختيار الطريق الذي يمنح من في الطائرة فرصة للسلامة.
غير أن الجانب الأعمق في موقف الملك الحسين يظهر بعد الهبوط. تذكر الوثيقة الأمريكية أنه تدخل لمنع وحدات من الجيش الأردني من شن هجوم تلقائي على سوريا مع إبقاء الوحدات في حالة استعداد على الحدود. وهذا التفصيل يمنح الواقعة دلالتها السياسية والأخلاقية فقد كبح ردًا عسكريًا متعجلًا وحافظ على الجاهزية في الوقت نفسه.
أتأمل هذا الموقف وأفكر في صعوبة أن يخرج الإنسان من خطر شخصي ثم يتخذ قرارًا يحسب فيه حياة الآخرين. فمن الطبيعي أن يترك التهديد أثرًا ثقيلًا وأن تبدو الرغبة في الرد ملحّة لكن الملك الحسين كان مسؤولًا عن وطن، وأي قرار يتخذه قد يصل أثره إلى بيوت لم يكن أصحابها معه في الطائرة وإلى جنود يحملون واجب الدفاع عن بلدهم. هنا تظهر في قراءتي حكمة قائد اتسع نظره لما يتجاوز تجربته الشخصية.
وأرى في تدخله لمنع الهجوم قوة داخلية تستحق المديح فالانضباط حين تكون أدوات الرد متاحة يحتاج إلى بصيرة وإلى استعداد لتحمل مسؤولية موقف قد لا يفهمه المتحمسون في لحظته. لقد أبقى الملك الحسين مجالًا للحساب والتقدير ومنح القرار فرصة لأن يُوزن بعواقبه، فالأمر الذي يصدر في لحظة قد يترك جراحًا تمتد سنوات وقد يدفع ثمنه أناس لم يشاركوا في صنع الأزمة.
ولم يكن ضبط التصعيد تنازلًا عن الاحتجاج فقد نقلت الصحافة المعاصرة إعلان الحكومة الأردنية عزمها على طرح القضية أمام مجلس الأمن. وهكذا بقي الاعتراض حاضرًا وأُتيح للموقف الأردني أن يُعرض عبر القنوات الدبلوماسية، وفي ذلك أرى حكمة اختيار الوسيلة التي تخدم حماية الوطن وتعبّر عن حقه مع تجنب اندفاع قد يزيد الخطر.
هذه الصورة هي ما أحب أن أبرزه حين أكتب عن الملك الحسين فقد عاش التهديد بنفسه ثم تعامل مع تبعاته من موقع المسؤولية العامة. ومنح هذا الموقف شجاعته غاية أوسع لأن قيمة القيادة تظهر أيضًا في الأخطار التي تستطيع منعها وفي الأرواح التي تضع سلامتها أمام كل حساب.
وحين أروي هذه الحادثة لجيل الشباب أريدهم أن يتوقفوا عند احترام الخبرة وعند القدرة على تعديل المسار وعند مسؤولية التفكير فيما يأتي بعد القرار. فالحياة تمنحنا مواقف كثيرة نستطيع فيها أن نرد فورًا لكنها تطلب منا أن نسأل عن جدوى الرد وعن أثره فيمن حولنا، ومن الحكمة أن يمتلك الإنسان حق التصرف ثم يعرف الوقت الذي يخدم فيه استعمال هذا الحق غايته.
وأريد كذلك أن تُقرأ الواقعة بأمانة وإنصاف فالخلاف الذي وقع بين سلطات في زمن محدد لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة موروثة بين الشعوب. إن الوفاء لذكرى قائد اتخذ موقفًا لكبح التصعيد يتجلى في تعلم ما يحفظ الحياة وفي مقاومة تحويل التاريخ إلى مادة لتجديد العداء.
كنت طفلًا في الثالثة حين وقع ذلك الاعتراض ثم مضت حياتي إلى السماء حيث تعلمت أن القرار يحمل معه مسؤولية أرواح. واليوم أجد في موقف الملك الحسين معنى أستطيع أن أقدّره على نحو أعمق فقد عاد سالمًا ثم تدخل لمنع اندفاع عسكري كان يمكن أن يوسّع الأزمة، وفي المسافة بين النجاة والتصرف بعدها تظهر قيمة القيادة التي تحتفظ بتوازنها تحت الضغط.
رحم الله الملك الحسين بن طلال رحمة واسعة وأكرم نزله وجزاه خيرًا عما قدّمه للأردن. تبقى في الذاكرة مواقف تمنح الغياب حضورًا وتدعونا إلى الترحّم على صاحبها بوفاء هادئ وإلى استحضار ما يستحق التعلم من سيرته، وفي هذه الواقعة أرى ما يضيء جانبًا من شجاعة الملك الحسين وثقته بالخبرة وحكمته في تحمل المسؤولية.
لقد علّمتني السماء أن سلامة من معنا تستحق أن تكون في مقدمة القرار وأرى في موقف الملك الحسين بعد الهبوط امتدادًا لهذا المعنى على مستوى الوطن. أما الموعظة التي أحملها فهي أن ننظر إلى أبعد من اللحظة وأن نسأل عمن سيتأثر بتصرفنا قبل أن نندفع إليه، فالغضب يمنحنا رغبة في الفعل والحكمة تمنح هذا الفعل غايته وحدوده.
رحم الله الملك الحسين وأبقى ذكراه الطيبة في قلوب الأردنيين وجعل ما نستحضره من حكمته باعثًا على صون الوطن وحفظ كرامة الإنسان وحياته.
