كثيرًا ما نقول. الأردن أولًا، وهي عبارة جميلة في معناها، ثقيلة في مسؤوليتها، لكنها تفقد قيمتها إذا بقيت معلقة في فضاء الشعارات، فالأوطان لا تصبح أولًا بالكلمات، بل بالقرارات التي تضع المصلحة العامة فوق المصالح الصغيرة، وبالمؤسسات التي تعمل للناس لا حولهم، وبالمواطن الذي يرى في الدولة بيتًا مشتركًا لا ساحةً للحصول على امتياز خاص.
أن يكون الأردن أولًا يعني أن يكون القانون أولًا، لأن الدولة التي يتساوى أمامها الناس لا تحتاج إلى كثير من الخطابات لتثبت قوتها، ويعني أن تكون الكفاءة قبل القرابة، والعمل قبل الوجاهة، والإنجاز قبل الصورة، فالوطن لا يخسر فقط عندما تُهدر أمواله، بل يخسر أيضًا عندما يُهدر عقل قادر، أو يُقصى شاب كفؤ، أو يتقدم من لا يستحق على من يستحق.
والأردن أولًا يعني أن نعيد النظر في معنى الخدمة العامة، فالمنصب ليس مكافأة، بل أمانة مؤقتة، والمسؤول لا يُقاس بعدد السنوات التي بقي فيها في موقعه، بل بما تركه بعد مغادرته، والدولة التي تحسن اختيار رجالها ونسائها تختصر كثيرًا من الطريق، لأن الإدارة الرشيدة قد تعوض نقص الموارد، بينما قد تبدد الإدارة الضعيفة ما توفر منها.
لكن المسؤولية لا تقع على الدولة وحدها، فالمواطن الذي يريد أردنًا أفضل مطالب أيضًا بأن يبدأ من نفسه. أن يحترم القانون حتى عندما لا يراقبه أحد، وأن يرفض الواسطة حتى عندما تكون في مصلحته، وأن يؤدي عمله بإتقان، وأن يفهم أن الحقوق لا تعيش طويلًا إذا انفصلت عن الواجبات.
الأردن أولًا لا يعني أن نصفق لكل شيء، ولا أن نصمت عن الخطأ، على العكس، فالنقد الصادق قد يكون من أعلى صور الانتماء حين يكون هدفه الإصلاح لا الهدم، وحين يحترم الدولة وهو يطالبها بأن تكون أفضل.
أن نضع الأردن أولًا يعني أن نسأل في كل قرار، هل يخدم هذا الوطن بعد عشر سنوات، أم يخدم فردًا لعام واحد؟ فالوطن الذي نضعه أولًا في قلوبنا، يجب أن نضعه أولًا في سلوكنا أيضًا.
.
