قررت مدارس فلسطينية خاصة ومسيحية في القدس المحتلة تعليق الدوام الدراسي، اعتبارًا من الثلاثاء 1 سبتمبر/أيلول 2026، احتجاجًا على عدم تجديد سلطات الاحتلال الإسرائيلي تصاريح دخول عشرات المعلمين والموظفين القادمين من الضفة الغربية المحتلة، وسط تحذيرات من تداعيات القرار على انطلاق العام الدراسي، بالتزامن مع تصاعد المخاوف من توسيع فرض المنهاج الإسرائيلي على طلبة المدينة.
وأعلن أصحاب المدارس الفلسطينية الخاصة، في بيان، تعليق الدوام اعتبارًا من الثلاثاء وحتى إشعار آخر، موضحين أن القرار جاء على خلفية “عدم تجديد سلطات الاحتلال لتصاريح الدخول لعدد كبير من المعلمين والطواقم دون سابق إنذار”.
وأشار البيان إلى أن انخفاض جاهزية المدارس في الجوانب الصحية والنظافة، إلى جانب إجراءات الأمن والسلامة، يشكل عائقًا إضافيًا أمام بدء عام دراسي آمن ومستقر، مؤكدًا أن الدوام سيستأنف فور إعادة إصدار وتجديد جميع التصاريح الخاصة بالمعلمين والعاملين دون استثناء.
وفي السياق ذاته، أعلنت المدارس المسيحية في القدس، مساء الاثنين، تعليق الدوام المدرسي اعتبارًا من الثلاثاء، بعد عدم تجديد سلطات الاحتلال تصاريح الدخول لأكثر من 70 معلمًا وموظفًا، ما حال دون وصولهم إلى مدارسهم.
وقالت المدارس المسيحية، في بيان، إنها فوجئت مع الاستعداد لافتتاح العام الدراسي 2026-2027 بـ”عدم تجديد تصاريح الدخول لأكثر من 70 معلما وموظفا من كوادرنا التربوية والإدارية والمساندة، بصورة مفاجئة ودون سابق إنذار”.
وأضافت أن عدم تجديد التصاريح منع المعلمين والموظفين من الوصول إلى مدارسهم، وأثر مباشرة في جاهزيتها لبدء العام الدراسي، موضحة أن غياب هذا العدد من الكوادر ينعكس على مختلف جوانب العمل المدرسي، بما فيها العملية التعليمية والإدارة والجوانب الصحية، إلى جانب خدمات النظافة وإجراءات الأمن والسلامة.
وأكدت أن هذا الوضع “يجعل من المتعذر ضمان انطلاقة آمنة ومستقرة” للطلبة، مشيرة إلى أنه عقب التشاور والتنسيق مع الجهات المعنية وممثلي أولياء الأمور ومدارس القدس، تقرر تعليق الدوام في مدارس المدينة اعتبارًا من صباح الثلاثاء 1 سبتمبر/أيلول 2026.
وأوضحت أن التعليق سيستمر “حتى إعادة إصدار وتجديد التصاريح اللازمة للمعلمين والعاملين، بما يضمن انتظام العملية التعليمية بصورة آمنة وسليمة”.
تحذيرات من ضرب استقرار التعليم
وأكدت المدارس المسيحية حرصها على حق الطلبة في التعليم، محذرة من أن تكرار مثل هذه الإجراءات “يزعزع استقرار مدارسنا ويعيق قدرتها على أداء رسالتها”، وينعكس سلبًا على الطلبة وأسرهم والطواقم التعليمية.
ودعت إلى معالجة الأزمة بأسرع وقت، وتجديد التصاريح بما يتيح عودة الطلبة والعاملين إلى المدارس وانتظام العام الدراسي.
من جانبه، استنكر راعي كنيسة الميلاد الإنجيلية اللوثرية في بيت لحم، الأب منذر إسحق، الخطوة الإسرائيلية، وقال في منشور على منصة “إكس”: “تتواصل الضغوط الإسرائيلية على الوجود المسيحي في القدس. المدارس المسيحية في المدينة تضرب احتجاجا على رفض إسرائيل إصدار تصاريح عمل لمعلميها في الضفة الغربية”.
تحذير من فرض المنهاج الإسرائيلي
وفي تطور متصل، حذر المتحدث باسم محافظة القدس، معروف الرفاعي، من التداعيات الخطيرة لقرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي فرض المنهاج الإسرائيلي على جميع الصفوف الجديدة التي ستفتتح الثلاثاء المقبل في المدارس الرسمية شرق القدس، وتشمل الصفين الأول والسابع.
واعتبر الرفاعي، في بيان، الإثنين، أن القرار يمثل تصعيدًا خطيرًا وغير مسبوق منذ عام 1967، واستهدافًا مباشرًا للهوية الوطنية والثقافية لأجيال القدس.
وأوضح أن القرار يأتي في إطار سياسة ممنهجة تستهدف قطاع التعليم الفلسطيني في المدينة، وتسعى إلى إحلال الرواية الإسرائيلية مكان المنهاج الفلسطيني، بما يشكل اعتداءً على حق الطلبة المقدسيين في التعليم وفق مناهج تعبّر عن تاريخهم وهويتهم وثقافتهم الوطنية.
وبيّن أن أعداد الطلبة الذين يدرسون وفق المنهاج الإسرائيلي شهدت ارتفاعًا متسارعًا، من 10,347 طالبًا خلال العام الدراسي 2020/2021، إلى 19,402 طالب في 2024/2025، ثم إلى 27,041 طالبًا في 2025/2026، بعد أن كان العدد أقل من 13 ألف طالب قبل ستة أعوام، ولم يتجاوز بضع مئات قبل نحو 15 عامًا.
ضغوط متصاعدة على مدارس القدس
وأشار الرفاعي إلى أن هذا التصعيد لم يأتِ بصورة مفاجئة، وإنما يمثل مرحلة جديدة من مسار طويل من الضغوط الإسرائيلية على المؤسسات التعليمية الفلسطينية، شمل الضغط على إدارات المدارس، وربط بعض الميزانيات بشروط تتعلق بالمناهج، وصولًا إلى الاستيلاء على مجمعين تعليميين تابعين لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” في مخيمي شعفاط وكفر عقب.
وأضاف أن سلطات الاحتلال تعتزم، وفق المعطيات المتوفرة، افتتاح 14 صفًا ثانويًا ومدرسة ابتدائية وخمس رياض أطفال في مجمع شعفاط، إلى جانب افتتاح مدرسة ثانوية للبنين في مجمع كفر عقب، معتبرًا أن هذه الإجراءات تشكل جزءًا من محاولة إعادة هندسة البيئة التعليمية في القدس بما يخدم سياسات الاحتلال.
تحذير من طمس الهوية الوطنية
وشدد الرفاعي على أن فرض منهاج سلطة الاحتلال على السكان الفلسطينيين في مدينة محتلة يمثل انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي الإنساني، مؤكدًا أن “اتفاقية جنيف الرابعة” تفرض على القوة القائمة بالاحتلال التزامات واضحة تجاه السكان المدنيين، بما في ذلك حماية الأطفال وضمان استمرار عمل المؤسسات التعليمية وعدم استخدام التعليم أداة لطمس هوية السكان أو فرض رواية سياسية عليهم.
واعتبر أن استهداف المناهج الدراسية يتجاوز كونه إجراءً إداريًا أو تعليميًا، ليشكل استهدافًا مباشرًا للوعي والذاكرة والهوية الوطنية لأجيال القدس، من خلال محاولة طمس المنهاج الفلسطيني وإحلال منهاج إسرائيلي يكرّس رواية الاحتلال، في وقت يجري فيه حذف موضوعات أساسية من الرواية والتاريخ الفلسطيني أو تهميشها، وفي مقدمتها النكبة والأسرى والقدس.
وأوضح أن التعليم يمثل أحد أهم ميادين الحفاظ على هوية القدس، وأن محاولة السيطرة على عقول الطلبة ومناهجهم تمثل امتدادًا لسياسات الضم والتهويد وطمس الطابع العربي الفلسطيني للمدينة.
وأكد الرفاعي أن فرض المنهاج الإسرائيلي يأتي ضمن منظومة متكاملة من السياسات الهادفة إلى تكريس ضم القدس وفصلها عن محيطها الفلسطيني، مشيرًا إلى أن إقامة جدار الفصل والحواجز أدت إلى عزل عشرات الآلاف من المقدسيين عن مركز مدينتهم ومؤسساتها، في إطار سياسة تسعى إلى تفكيك العلاقة الطبيعية بين القدس ومحيطها الفلسطيني.
القدس أمام معركة على التعليم
وحذر الرفاعي من أن استمرار هذه السياسات، إلى جانب السيطرة على التعليم والمناهج، يهدد مستقبل الأجيال المقدسية ويستهدف الذاكرة الجماعية للمدينة، داعيًا الأسرة المقدسية والمؤسسات التعليمية والمجتمع المحلي إلى تعزيز صمود الطلبة والمعلمين والدفاع عن حقهم في التعليم وفق المنهاج الفلسطيني.
كما دعا المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه مدينة القدس باعتبارها مدينة واقعة تحت الاحتلال، وعدم التعامل مع إجراءات الاحتلال باعتبارها أمرًا واقعًا أو شأنًا إداريًا داخليًا.
وشدد على أن تمسك أهالي القدس ومعلميها وطلبتها بالمنهاج الفلسطيني ليس مجرد تمسك بكتاب مدرسي، وإنما هو دفاع عن الذاكرة والهوية والتاريخ والحق في تقرير الرواية الوطنية، مؤكدًا أن التعليم سيبقى أحد أهم خطوط الدفاع عن هوية القدس العربية الإسلامية والمسيحية، وعن حق أجيالها في معرفة تاريخ مدينتهم والحفاظ على إرثها وهويتها.
ومنذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، تعرقل إسرائيل استخراج تصاريح للعاملين الفلسطينيين من الضفة الغربية، بمن فيهم المعلمون، بالتزامن مع بدء الحرب على قطاع غزة.
وكانت صحيفة “هآرتس” العبرية قد ذكرت، الاثنين، أن نحو 45 ألف طالب فلسطيني من سكان شرق القدس المحتلة سيدرسون المنهاج التعليمي الإسرائيلي خلال العام الدراسي الحالي.
