نشر موقع “ذي هيل” مقالا لديفيد ويبمان، الرئيس الفخري لهاميلتون كوليدج، وغلين ألتشولر من جامعة كورنيل، قالا فيه إن مجلس سلام دونالد ترامب لغزة ما هو إلا مجرد جعجعة بلا طحن.
وأضافا أن ترامب أعلن، وسط تهديداته بالاستيلاء على جزيرة غرينلاند في كانون الثاني/يناير، عن تشكيل “مجلس السلام”، واصفا إياه بأنه “أعظم وأعرق مجلس تم تشكيله على الإطلاق، في أي زمان ومكان”. وقد أقر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة المجلس كجزء من “خطة شاملة لإنهاء الصراع في غزة”، إلا أن ميثاق المجلس ينص على مهمة أوسع بكثير، هي ضمان “السلام في المناطق المتضررة أو المهددة بالصراع”. وتوقع ترامب، الذي عين نفسه رئيسا للمجلس مدى الحياة، أن يصبح “واحدا من أهم الهيئات التي تم إنشاؤها على الإطلاق”، وربما يحل في نهاية المطاف محل الأمم المتحدة.
إلا أنه، وبعد خمسة أشهر، لم ينتج المجلس سوى القليل، باستثناء ميثاق وعدد قليل من أفراد الأمن.
وعلقا أن الفجوة بين الخطاب والواقع تعد سمة رئيسية لرئاسة ترامب. فعلى الرغم من أنه ادعى أنه “سيحكم بشعار بسيط: ‘وعود تقطع ووعود تنفذ’”، إلا أن الوعد غالبا ما يكون الإنجاز بحد ذاته.
وعادة ما تحتل القضية عناوين الأخبار، وتسيطر على التغطية الإعلامية، وتصرف الانتباه عن النكسات في أماكن أخرى، وتتيح لترامب الترويج لنفسه، ومع الوقت الذي يتم فيه الكشف عن مدى ضآلة ما حدث من تغيير، يكون ترامب ووسائل الإعلام ومعظم الأمريكيين قد تحولوا عنها إلى أمر آخر.
وقد عقد مجلس السلام اجتماعه الأول، والوحيد حتى الآن، في شباط/فبراير، في “معهد دونالد جيه ترامب للسلام” الذي أعيدت تسميته من معهد الولايات المتحدة للسلام. ويضم المجلس عددا قليلا من الدول، معظمها ذات أنظمة استبدادية. وقد امتنع أقرب حلفاء أمريكا، بما في ذلك معظم الدول الأوروبية وكندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية، عن المشاركة. وفي ذلك الاجتماع الافتتاحي، تعهدت الدول الأعضاء بتقديم 7 مليارات دولار لإعادة إعمار غزة، ووعد ترامب بتقديم 10 مليارات دولار إضافية من الأموال الأمريكية. وحتى الآن، لم يصل سوى 23 مليون دولار، ولم تمنح أي عقود رئيسية لإعادة الإعمار أو الأمن.
وقد أعلن مجلس السلام عن تشكيل قوة دولية لتحقيق الاستقرار قوامها 20,000 جندي لتوفير الأمن اللازم لإعادة الإعمار، وبعد خمسة أشهر، باتت القوة تتألف من قائد وأربعة ضباط مغاربة.
وقد تلاشى الدعم الأولي أمام المخاوف بشأن الحرب الأمريكية الإيرانية، وقواعد الاشتباك، والسلطة القانونية، والتمويل، فضلا عن إصرار ترامب على عدم دخول أي قوات أمريكية إلى غزة.
ولا تزال غزة منطقة مدمرة. ولا يمكن البدء بإعادة الإعمار لأن حماس ترفض نزع سلاحها حتى تنسحب إسرائيل، وإسرائيل ترفض الانسحاب حتى تنزع حماس سلاحها. وتبدو رؤية الإدارة لتحويل “هذه البقعة الجميلة” إلى أبراج مكاتب براقة، وصناعات تكنولوجية متقدمة، ومنتجعات سياحية على الواجهة البحرية، أكثر سخافة من أي وقت مضى.
وليس من المستغرب، كما يقول الكاتبان، عدم إصدار ترامب تصريحات كثيرة حول مجلس السلام منذ إعلانه انتهاء الحرب في شباط/فبراير.
وخلال جلسة استماع للجنة المخصصات بمجلس النواب، أقر وزير الخارجية ماركو روبيو بأنه “لن يستثمر أحد أمواله في غزة حتى يتم نزع سلاح حماس لأنهم يعلمون أن حربا أخرى ستندلع”.
ويعترف الكاتبان أن حل مشاكل غزة مهمة ضخمة جدا، وهذا هو بيت القصيد. فمن خلال تقديم مجلس السلام كحل، همش ترامب الأمم المتحدة، وأربك الحلفاء، وخلق توقعات زائفة، مما زاد من صعوبة العمل الذي يدعم مبادرات إعادة الإعمار الحقيقية.
ومن هنا يعتبر المجلس مثالا صارخا على أسلوب ترامب: الإعلان عن مبادرات جديدة شاملة، غالبا خارج القنوات الرسمية، والوعد بنتائج استثنائية، ثم تحويل الأنظار قبل تقييم تلك المبادرات على أرض الواقع.
ففي ولايته الأولى، وعد ترامب بإلغاء قانون أوباما للرعاية الصحية واستبداله. أما مبادراته التي روج لها كثيرا تحت مسمى “أسبوع البنية التحتية”، فلم تعرض قط، فضلا عن تنفيذها.
وخلال حملته الانتخابية عام 2023، اقترح ترامب إنشاء عشر مدن تعرف باسم “مدن الحرية”، حيث يمكن للشركات أن تزدهر ويتمكن السكان من تحقيق “الحلم الأمريكي”. وبعد ثلاث سنوات، لم يتم اختيار أي موقع، ولم يسن أي تشريع، ولم يعد ترامب يتحدث عن الفكرة.
كما أعلن أنه سينهي الحرب بين روسيا وأوكرانيا بعد 24 ساعة من أدائه اليمين الدستورية لولاية ثانية. وأشار إلى أنه سيخفض التضخم “في اليوم الأول”، و”سيستبدل بشكل كبير” ضريبة الدخل بعائدات الرسوم الجمركية. وبعد أيام من عودته إلى منصبه، أعلن ترامب عن نظام “القبة الذهبية” للدفاع الصاروخي، الذي من شأنه أن يحمي البلاد بأكملها بحلول نهاية ولايته. وقدر مكتب الميزانية في الكونغرس التكلفة بـ 1.2 تريليون دولار (بينما أشارت تقديرات أخرى إلى أنها أعلى بكثير)، وحذر من أن “النظام قد يتعرض للاختراق في حال وقوع هجوم واسع النطاق”. وعلى الرغم من بعض التخطيط والاستثمار، لا يزال المشروع نظريا في معظمه.
وفي شباط/فبراير 2025، أعلن ترامب أن وزارة كفاءة الحكومة التابعة لإيلون ماسك قد حددت عشرات المليارات من الدولارات من “الهدر والاحتيال وسوء الاستخدام”. وقال إن المبلغ النهائي “قد يقارب تريليون دولار”، وأن دافعي الضرائب قد يحصلون على 20% من الأموال المستردة.
كانت تخفيضات وزارة كفاءة الحكومة في القوى العاملة الفدرالية عميقة وفوضوية ومدمرة، وأودت بحياة الملايين. ومع ذلك، لم “توفر” سوى جزء ضئيل من المبلغ الذي روج له ترامب. ولم يعد البيت الأبيض يذكر وزارة كفاءة الحكومة أو أي إعفاء ضريبي. كما اقترح ترامب برنامج تأشيرة “البطاقة الذهبية” بقيمة مليون دولار، والذي يمكن أن يدر 5 تريليونات دولار من الرسوم. وزعم وزير التجارة هوارد لوتنيك أن 250,000 شخص تقدموا بطلبات للحصول على التأشيرة. وبحلول أيار/مايو، دفع 165 شخصا رسوم الطلبات، ولم تمنح سوى تأشيرة واحدة، ولم يعد مسؤولو الإدارة يتحدثون عن الخطة الآن إلا نادرا.
وعليه، يمكن النظر إلى مجلس السلام لغزة على أنه مثال نموذجي لاستراتيجية علاقات عامة طموحة، تخدم مصالحها الذاتية وتعتمد على الخداع والتضليل، مما يهدر الوقت والجهد والمال، ويحرف النظر عن المشاكل الداخلية الملحة، ويقوض مصداقية أمريكا في الخارج.
