كتب : زياد فرحان المجالي – عمّان
في الحروب التقليدية، كان الهدف أن تضرب منشأة النفط، أو الميناء، أو الناقلة. أما في حروب اليوم، فثمة مستوى أخطر بكثير: ألا تضرب المورد فقط، بل تضرب الطريق البديل الذي أُنشئ لحمايته.
وهذا، في تقديري، هو المعنى الاستراتيجي الأخطر لما يجري حول السعودية والبحر الأحمر والخليج معًا.
فالمملكة بنت طوال عقود منظومة تسمح لها بتصدير النفط حتى لو تعطلت إحدى البوابات البحرية. وإذا أصبح مضيق هرمز خطرًا، هناك خط النفط «شرق–غرب» الذي ينقل الخام من الحقول الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. ومن ينبع يستطيع النفط أن يتجه شمالًا نحو قناة السويس والأسواق الأوروبية، أو جنوبًا عبر باب المندب إلى المحيط الهندي والأسواق الآسيوية.
كانت المعادلة بسيطة وذكية: تعدد الطرق يمنع الاختناق.
لكن الحروب الجديدة تحاول قلب هذه المعادلة رأسًا على عقب، بحيث يصبح كل طريق بديل معرضًا للخطر في اللحظة نفسها.
في الشرق، أصبح مضيق هرمز ساحة ضغط ومواجهة مرتبطة بالحرب الأميركية–الإيرانية وبأمن الملاحة والطاقة. وفي الجنوب الغربي، تمدد الحوثيون إلى مواقع بالغة الحساسية عند باب المندب، ووصلوا إلى جزيرة ميون التي تتوسط واحدًا من أخطر الممرات البحرية في العالم.
ثم جاءت الضربة الأكثر دلالة: مسيّرات استهدفت منشآت مرتبطة بخط النفط السعودي «شرق–غرب»، وقالت الرياض إنها انطلقت من الأراضي العراقية، ما دفع المملكة إلى وقف الخط احترازيًا.
وهنا تتغير قراءة المشهد بالكامل.
لم نعد أمام هجوم منفرد على منشأة نفطية، ولا أمام تهديد مستقل لمضيق بحري، بل أمام ما يمكن تسميته هندسة الاختناق.
فإذا أصبح هرمز غير آمن، تتجه السعودية غربًا.
وإذا أصبح خط «شرق–غرب» نفسه مستهدفًا، تتراجع قيمة البديل.
وإذا وصل النفط إلى ينبع، ثم أصبح طريقه جنوبًا نحو آسيا عبر باب المندب مهددًا، فإن مسار النجاة يتحول بدوره إلى جزء من ساحة الحرب.
بمعنى آخر: الحرب لم تعد تستهدف الناقلة فقط؛ إنها تستهدف الخريطة التي تتحرك عليها الناقلة.
وهذه نقلة استراتيجية شديدة الخطورة.
فالسعودية ليست دولة نفطية عادية. قدرتها على إيصال ملايين البراميل يوميًا إلى الأسواق جزء من منظومة استقرار الاقتصاد العالمي. ولذلك فإن التهديد المتزامن لهرمز وخطوط الأنابيب وباب المندب لا يمس الرياض وحدها، بل يصل أثره إلى الصين والهند وأوروبا، وإلى شركات الشحن والتأمين والمصافي وأسعار الوقود والتضخم في الاقتصادات الكبرى.
لكن بالنسبة للعرب، هناك سؤال أخطر من سعر برميل النفط.
من يملك الجغرافيا العربية فعلًا؟
فالمسيّرات تنطلق من أرض العراق، والحرب تمتد على أرض اليمن، والبحر الأحمر فضاء عربي، وباب المندب بوابة عربية–أفريقية، وقناة السويس مصرية، والموانئ السعودية على البحر الأحمر جزء أساسي من منظومة الطاقة العالمية.
ومع ذلك، تتحول هذه الجغرافيا العربية، قطعة بعد أخرى، إلى أوراق تستخدم في صراعات إقليمية ودولية أكبر من أصحاب الأرض أنفسهم.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
ليست القضية فقط أن إيران تستطيع ممارسة الضغط عبر حلفائها، ولا أن الولايات المتحدة تستطيع تحديد مقدار الحماية التي تمنحها لشركائها. المشكلة الأعمق أن العالم العربي يمتلك واحدًا من أهم المواقع الجغرافية في العالم، لكنه لا يمتلك حتى الآن منظومة أمن جغرافي مشتركة تتعامل مع هذه المساحة كوحدة استراتيجية واحدة.
فما قيمة تأمين الخليج إذا كان باب المندب مكشوفًا؟
وما قيمة تأمين البحر الأحمر إذا أمكن تحويل أرض دولة عربية إلى منصة لإطلاق المسيّرات على دولة عربية أخرى؟
وما قيمة بناء خط أنابيب يتجاوز هرمز إذا أصبح الخط نفسه هدفًا، أو أصبح البحر الذي ينتهي إليه جزءًا من دائرة التهديد؟
هذه ليست أسئلة سعودية فقط.
إنها أسئلة عربية.
لأن السلاح الحديث ألغى مفهوم المسافة تقريبًا. فالمسيّرة التي تنطلق من العراق، والصاروخ الذي يطلق من اليمن، والناقلة التي تغادر ينبع، والسفينة التي تعبر باب المندب، كلها باتت تتحرك داخل مسرح عمليات استراتيجي واحد يمتد من الخليج إلى البحر الأحمر ومن هرمز إلى السويس.
ولذلك فإن الأمن العربي لم يعد قابلًا للتجزئة.
فالرد المطلوب لا يمكن أن يكون عسكريًا فقط، مهما كانت أهمية الدفاعات الجوية وأنظمة الرصد والمسيّرات المضادة. المطلوب قبل ذلك وبعده بناء مفهوم عربي جديد للأمن، يجعل استخدام أرض عربية لضرب دولة عربية أخرى خطًا أحمر، ويعامل أمن هرمز والبحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس وشبكات الطاقة باعتبارها حلقات في سلسلة واحدة.
لأن أخطر ما تكشفه هذه الحرب ليس أن بئر النفط يمكن أن يُقصف.
بل أن طريق النجاة نفسه يمكن أن يتحول إلى هدف.
وفي حروب القرن الحادي والعشرين، قد لا يحتاج خصمك إلى احتلال أرضك أو تدمير حقولك، إذا استطاع أن يجعل كل طريق تخرج منه ثروتك معرضًا للنار.
وهنا تتغير معادلة القوة في الشرق الأوسط:
لم تعد القوة تُقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ والدبابات، بل بعدد المضائق والموانئ والأنابيب والطرق البحرية التي تستطيع حمايتها — أو يستطيع خصمك تهديدها — في اللحظة نفسها.
فمن يسيطر على المورد يملك ثروة، أما من يستطيع إغلاق جميع الطرق المؤدية منه وإليه، فقد يملك القرار.
وهذا تحديدًا هو الدرس الأخطر الممتد اليوم من هرمز إلى باب المندب.
