كتب : زياد فرحان المجالي – عمّان
ليست كل الحروب التي تطول قد فشل العالم في إيقافها، وليست كل التسويات التي تتأخر نتيجة عجز القوى الكبرى عن فرضها. أحيانًا يكون طول الحرب نفسه جزءًا من حسابات السياسة، ويصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا لم تتدخل أميركا لإنهائها؟ بل: متى تريد أميركا أن تنتهي، وبعد أن يصل أي طرف إلى أية درجة من الإنهاك؟
قبل أكثر من ربع قرن، كتب الاستراتيجي الأميركي إدوارد لوتواك مقالًا حمل عنوانًا صادمًا: «أعطِ الحرب فرصة». كانت فكرته أن التدخل المبكر لوقف الحروب لا يصنع بالضرورة سلامًا، بل قد يمنح المتحاربين فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة التسلح والعودة إلى القتال. أما السلام الحقيقي، وفق منطقه، فيأتي عندما ينتصر طرف بصورة حاسمة، أو عندما يصل الجميع إلى درجة من الإنهاك تجعل استمرار الحرب أغلى من التسوية.
كانت هذه نظرية على الورق.
لكن سوريا قدّمت بعد أربعة عشر عامًا مشهدًا أكثر وضوحًا.
فعندما اشتعلت الحرب السورية، عاد لوتواك ليكتب أن الولايات المتحدة تخسر إذا انتصر أي طرف. لم يكن يريد انتصار الأسد بما يعنيه من تقوية إيران وحزب الله، ولم يكن يريد في المقابل انتصار القوى الجهادية التي تمددت داخل المعارضة. وكانت الخلاصة قاسية وبسيطة: دعم الطرف الأضعف عندما يوشك على الانهيار، والتراجع عن دعمه عندما يقترب من الانتصار.
أي أن الهدف لم يعد صناعة المنتصر، بل منع ظهور المنتصر.
ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من السياسة الأميركية خلال العقود الماضية. أميركا ليست مضطرة دائمًا إلى احتلال بلد أو إسقاط نظام أو إرسال مئات الآلاف من الجنود كي تؤثر في نتيجة الحرب. أحيانًا يكفي أن تتحكم في ميزان القوة: سلاح هنا، عقوبات هناك، معلومات استخباراتية لطرف، ضغط سياسي على آخر، ثم فتح باب التفاوض عندما يصل الجميع إلى اللحظة المناسبة.
العراق عرف شيئًا من هذا المنطق. وسوريا عرفته بصورة أوضح. وفي أوكرانيا، منع الدعم الأميركي والغربي سقوط كييف، لكنه لم يؤدِ طوال سنوات إلى حسم عسكري نهائي. واليوم، بعد أكثر من أربع سنوات من الحرب والاستنزاف والخسائر، تعود واشنطن إلى الطاولة وهي تتحدث مع موسكو وكييف عن صيغة تنهي الحرب.
ليست المسألة أن هناك غرفة سرية في واشنطن تقرر مدة كل حرب، ولا أن نظرية لوتواك تحولت إلى قانون مكتوب للسياسة الأميركية. السياسة أكثر تعقيدًا من ذلك. لكن النمط يستحق التأمل: منع الهزيمة السريعة، منع النصر الكامل، إطالة قدرة الأطراف على الصمود، ثم الانتقال من إدارة الحرب إلى إدارة التسوية.
وفي الشرق الأوسط اليوم، يصبح هذا السؤال أكثر خطورة.
فالمواجهة مع إيران لم تعد مجرد ملف نووي أو عقوبات اقتصادية. المنطقة دخلت مرحلة استنزاف تتداخل فيها الصواريخ والممرات البحرية والطاقة واليمن والعراق وإسرائيل والخليج. وواشنطن، رغم قوتها العسكرية الهائلة، لا تبدو راغبة في احتلال إيران ولا قادرة على تجاهلها، ولذلك تتحرك بين الضربات والضغط الاقتصادي والحصار والمفاوضات.
وهنا قد تكون المرحلة المقبلة أخطر من الحرب نفسها.
لأن القوة التي تستطيع منع خصمها من الانتصار لا تكون بالضرورة قادرة على تحقيق انتصارها هي.
وقد نصل إلى لحظة يصبح فيها المطلوب أميركيًا ليس إسقاط إيران، ولا انتصارها، بل إنهاكها بما يكفي للجلوس إلى طاولة تُرسم عندها قواعد جديدة للإقليم.
وهذا هو جوهر المسألة.
في الحروب القديمة، كان السؤال: من سينتصر؟
أما في الحروب التي تديرها القوى الكبرى اليوم، فقد يصبح السؤال مختلفًا:
من سيبقى واقفًا إلى أن تقرر القوة الأكبر أن الوقت حان لإنهاء القتال؟
وعندها فقط تدخل أميركا إلى الغرفة، لا باعتبارها الطرف الذي أوقف الحرب منذ بدايتها، بل باعتبارها الطرف الذي يريد أن يكتب شروط نهايتها.
