كتب زياد فرحان المجالي –
ليست خطة التعاظم العسكري الإسرائيلية البالغة 130 مليار شيكل مجرد برنامج لتحديث الجيش أو شراء أسلحة جديدة، بل تعكس تحولاً عميقاً في العقيدة الأمنية والاقتصادية للدولة. فبحسب ما ورد في التقرير، تتجه إسرائيل إلى بناء منظومة إنتاج عسكري طويلة الأمد، قادرة على تلبية احتياجاتها في أوقات الحرب وتقليل اعتمادها على الموردين الخارجيين، بعد أن كشفت الحروب الأخيرة هشاشة سلاسل الإمداد وإمكانية تأثرها بالقيود السياسية أو الصناعية.
وتشمل الخطة إنشاء مصانع جديدة، وتوسيع خطوط إنتاج الذخائر، وشراء مقاتلات وطائرات للتزود بالوقود ومروحيات هجومية وقطع بحرية ومدرعات، إضافة إلى الاستثمار في الصناعات الفضائية. ويدل هذا التنوع على أن إسرائيل لا تسعى إلى سد نقص مؤقت، بل إلى إعادة بناء منظومة القوة العسكرية من جذورها، بحيث تصبح الصناعة الدفاعية جزءاً أصيلاً من الأمن القومي.
ومن زاوية أخرى، يكشف الخلاف بين وزارة الدفاع ووزارة المالية عن معركة من نوع مختلف؛ معركة بين متطلبات الأمن وقدرات الاقتصاد. فالجيش يرى أن البيئة الاستراتيجية التي تشكلت بعد السابع من أكتوبر تفرض استعداداً دائماً لحروب متعددة الجبهات، بينما تحذر وزارة المالية من أن تضخم الإنفاق العسكري قد يفرض ضغوطاً متزايدة على الموازنة العامة ويؤثر في قطاعات مدنية لا تقل أهمية عن الأمن.
واللافت أن الخطة لا تتحدث عن شراء السلاح فقط، بل عن بناء القدرة على إنتاجه محلياً. وهذا التحول يعكس إدراكاً بأن الحروب الحديثة لا تُحسم في ميدان القتال وحده، بل في المصانع، وسلاسل التوريد، والقدرة على تعويض الخسائر بسرعة. فالدولة التي تمتلك قاعدة صناعية مرنة تستطيع إطالة قدرتها على القتال، حتى في ظل الضغوط الخارجية.
كما أن الإصرار على استدعاء عشرات الآلاف من جنود الاحتياط سنوياً يكشف أن المؤسسة العسكرية تبني تقديراتها على فرضية استمرار التوترات الإقليمية لسنوات، وهو ما يعني أن الحرب لم تعد تُعامل كحدث استثنائي، بل كحالة قد تصبح جزءاً من الواقع الأمني والاقتصادي للدولة.
وفي البعد الإقليمي، تحمل هذه الخطة رسالة واضحة إلى دول المنطقة مفادها أن إسرائيل لا تنوي الاكتفاء بالحفاظ على تفوقها العسكري الحالي، بل تعمل على توسيعه وترسيخه عبر استثمارات ضخمة في الصناعة والتكنولوجيا والفضاء. ومن المرجح أن تدفع هذه السياسة عدداً من القوى الإقليمية إلى مواصلة تعزيز قدراتها الدفاعية، بما يكرس سباقاً متصاعداً في مجالات التسلح والتقنيات العسكرية.
ومع ذلك، فإن ضخامة المخصصات المالية لا تعني بالضرورة ضمان النجاح. فالتفوق العسكري، مهما بلغ، لا يلغي التحديات السياسية، ولا يحسم الصراعات المعقدة بمفرده. كما أن استمرار ارتفاع الإنفاق الدفاعي قد يفرض على المجتمع الإسرائيلي أثماناً اقتصادية واجتماعية متزايدة، خصوصاً إذا طال أمد التوترات أو توسعت رقعة المواجهات.
ومن المهم أيضاً التمييز بين ما أُعلن عنه في إطار التخطيط وما سيتحقق فعلياً على الأرض، إذ إن تنفيذ الخطط متعددة السنوات يبقى مرتبطاً بالقدرة على توفير التمويل، واستقرار الحكومات، وتطور البيئة الأمنية والإقليمية.
في النهاية، لا تكمن أهمية خطة الـ130 مليار شيكل في قيمتها المالية فحسب، بل في الدلالة التي تحملها. فهي تشير إلى أن إسرائيل تعيد تعريف مفهوم الأمن القومي، بحيث يصبح المصنع، وخط الإنتاج، والبحث العلمي، والفضاء، جزءاً من منظومة الردع بقدر أهمية الطائرة والدبابة. لكن التاريخ يبين أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها صناعة الاستقرار؛ فالحروب قد تُكسب الدول تفوقاً ميدانياً، لكنها لا تمنحها بالضرورة أمناً دائماً أو حلولاً سياسية مستدامة. ولهذا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم ما يُنفق على السلاح، بل في قدرة المنطقة على تجنب أن يتحول سباق التسلح إلى واقع دائم يستهلك موارد الجميع ويزيد من تعقيد أزماتها.
