كتب – عبدالرزاق بني هاني
أبدأ حديثي بما ورد عن النبي محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو ” إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت “. وهذا الحديث ليس مجرد عبارة أخلاقية، بل مفتاح لفهم كثير من أزمات الإنسان والمجتمع والدولة. فالحياء ليس خوفاً من الناس، ولا خشيةً من الفضيحة، بل هو ذلك الحد الداخلي الذي يمنع الإنسان من أن يفعل كل ما يستطيع فعله. فهو أن تقول لنفسك أستطيع، لكن لا يليق بي أن أفعل. وفي هذه المسافة الصغيرة بين القدرة والفعل تبدأ الأخلاق، ويبدأ معها معنى الدولة. فالمجتمع لا ينهار فقط عندما تُستباح القوانين، بل عندما يفقد الناس الإحساس بقبح خرقها. والدولة لا تضعف فقط عندما يظهر فيها الفساد، بل عندما يصبح الفساد مألوفاً، والواسطة شطارة، والتملق ذكاءً، والكذب السياسي فناً، واستغلال النفوذ فرصة. وهنا لا يعود القبح انحرافاً، بل يصبح جزءاً من الحياة اليومية. والدولة ليست مبانٍ ووزارات ودساتير فقط. بل، وقبل ذلك كله، هي فكرة أخلاقية تقول إن السلطة ليست مِلكاً لمن يتولاها، وإن المال العام ليس مالاً بلا صاحب، وإن الوظيفة ليست غنيمة، وإن المواطن لا يحتاج إلى استجداء أحد كي يصل إلى حقه. فالدولة الحقيقية تبدأ حين تكون القاعدة أقوى من الشخص. وحين يصل المواطن إلى حقه من خلال المؤسسة، لا من خلال الواسطة. أما حين يصبح اسم الشخص أهم من النص، والعلاقة أقوى من النظام، والقرابة أقوى من الكفاءة، فإننا نكون أمام سلطة، لكننا لا نكون بعد أمام دولة مكتملة المعنى. فالفساد السياسي لا يبدأ دائماً من كبار المسؤولين. فقد يبدأ أحياناً من فكرة اجتماعية بسيطة تقول أنا أستحق استثناءاً. والمواطن الذي يتجاوز دوره لأنه يعرف موظفاً، والمدير الذي يقدم المطيع على الكفؤ، والمسؤول الذي يرى أن منصبه يمنحه حقوقاً لا يملكها غيره؛ جميعهم يشاركون في إنتاج المنطق نفسه، ومفاده أن القواعد للآخرين، أما أنا فلي وضع خاص. ومن هذا الاستثناء الصغير يمكن أن يولد الاستبداد الكبير. فالطاغية، في النهاية، لا يقول شيئاً مختلفاً، بل يقول فقط أنا فوق القاعدة. وحين يصبح النفوذ أقوى من القانون، فإن أخطر ما يصيب الدولة أن يتعلم المواطن أن حقه لا يكفي. فهو يحتاج إلى واسطة مع الحق، وإلى متنفذ مع القانون، وإلى معرفة شخصية مع المؤسسة. وعند ذلك يفقد القانون هيبته حتى لو بقي مكتوباً.
وحين يتعلم الناس أن باب المؤسسة لا يُفتح بالنظام بل بالمكالمة، فإن الدولة نفسها تزرع فيهم درساً خطيراً، وهو ألا تثق بالمؤسسة، بل ابحث عمن هو أقوى منها. وهكذا يبدأ فقدان الثقة. والثقة ليست قيمة عاطفية هامشية، بل هي رأس مال سياسي وأخلاقي. فحين يطمئن المواطن إلى أن القانون يحميه، وأن الكفاءة تفتح له الأبواب، وأن الموظف لا يستطيع إذلاله، فإنه ينتمي إلى الدولة. أما حين يشعر أن غيره يتقدم لأنه يعرف من يعرف، فإن شعوره بالدولة يبدأ بالذبول. وكل واسطة تنتصر على الاستحقاق تسحب شيئاً من هيبة المؤسسة.
وكل استثناء يُمنح لمتنفذ يقول للناس إن القانون ليس عاماً. وكل كفاءة تُقصى لمصلحة الولاء الشخصي تقول للشباب إن الاجتهاد أقل قيمة من العلاقات. ومن ثم نتساءل لماذا يفقد الناس ثقتهم بالمؤسسات.
ومن أكثر الأمراض السياسية خطورة أن يتحول التملق إلى ثقافة. فالمسؤول الذي يحيط نفسه بمن يقولون له ما يريد سماعه يفقد تدريجياً القدرة على رؤية الواقع. والمؤسسة التي تكافئ المصفق وتعاقب الناقد تبدأ بتدمير نفسها من الداخل. والتملق ليس مجرد سلوك اجتماعي ثقيل؛ إنه آلية لإخفاء الأخطاء. فحين يخاف المسؤول من صاحب الرأي أكثر مما يخاف من الكاذب الذي يمدحه، تكون المؤسسة قد دخلت منطقة الخطر. فالدولة القوية لا تخشى النقد، والمؤسسة الواثقة لا تحتاج إلى التصفيق كي تشعر بوجودها. أما السلطة الضعيفة أخلاقياً، فتبحث دائماً عن المديح، حتى عندما تكون أحوج ما تكون إلى الحقيقة. وللسياسة، أحياناً، قدرة عجيبة على فضح أصحابها من أفواههم. فقد كان أحدهم، ممن احترفوا الكذب والخيانة حتى كاد الكذب يصبح عندهم وظيفة عامة، يقول ساخراً إن لم أجلس على كرسي السلطة فإن حكة تصيبني في قفاي. وقد تبدو العبارة طرفة، لكنها في الحقيقة اعتراف سياسي نادر الصدق؛ فبعض الناس لا يرون في المنصب تكليفاً ولا خدمة عامة، بل مرهماً لحكة شخصية مزمنة، ولا يتعاملون مع الدولة بوصفها مؤسسات، بل بوصفها مجموعة كراسٍ ينبغي أن يجد المرء لنفسه أو لأقاربه واحداً منها. ومن الطريف المؤلم أن صاحب هذه الحكة السلطوية نفسه لم يتردد في طلب تعيين ابن أخته في موقع من مواقع السلطة، مع أنه لا يملك من الكفاءة ما يبرر وضعه فيه، وكأن الوظائف العامة أصبحت إرثاً عائلياً، وكأن الدولة شجرة نسب لا مؤسسة استحقاق. وحين اعتذر صاحب القرار عن تعيينه، جاءه الجواب الذي يصلح أن يكون دستوراً سرياً للمحسوبية. إذ قال له عيّنه، فالناس سينتقدونك يوماً أو يومين ثم ينسون. ويا لها من فلسفة في الحكم! لا تسأل إن كان القرار عادلاً، ولا إن كان الرجل كفؤاً، ولا إن كان في تعيينه ظلم لمن هو أحق منه. فكل ما عليك أن تحسبه هو العمر الافتراضي لغضب الناس. فإذا كانت الذاكرة قصيرة، صار الفساد مقبولاً، وإذا كان الضجيج سينتهي بعد يومين، فلماذا نحرم قريباً من كرسي لا يستحقه؟ وهنا لا تكون الكارثة في المحسوبية وحدها، بل في احتقار الناس أنفسهم، وفي النظر إليهم باعتبارهم جمهوراً سريع النسيان، يمكن تمرير الباطل أمامه ما دام الصبر عليه لا يحتاج إلا إلى يومين. وهكذا يصبح النسيان أداة حكم، وتصبح الذاكرة الشعبية هي العقبة الوحيدة أمام الخطأ، لا الضمير ولا القانون ولا الكفاءة. وعندما تصل السياسة إلى هذه الدرجة، لا يعود السؤال من يستحق المنصب، بل من يستطيع النجاة من فضيحته حتى تنتهي موجة التعليقات.
وهنا يظهر معنى الحياء السياسي. وهو باختصار أن يستحي المسؤول من سماع مديح يعرف أنه لا يستحقه، وأن يستحي من مطالبة الناس بما لا يطبقه على نفسه، وأن يستحي من الحديث عن سيادة القانون إذا كان أول من يبحث عن استثناء منه. ومن السهل أن نطالب بالعدالة عندما نكون مظلومين، لكن الامتحان الحقيقي للأخلاق يبدأ عندما يكون الظلم في صالحنا. فمن السهل أن نهاجم الواسطة حين يأخذ غيرنا مكاننا، لكن الأصعب أن نرفضها حين تُعرض علينا، ومن السهل أن نطالب بالشفافية عندما نكون خارج السلطة، لكن المعيار الحقيقي هو أن نتمسك بها عندما تصبح المعلومات أو القرارات في أيدينا. فالدولة الأخلاقية لا تُبنى بمطالبة الآخرين وحدهم بالنزاهة، بل تُبنى عندما يطبق كل طرف على نفسه المعيار الذي يطالب به غيره. فالمسؤول لا يكون قدوة لأنه يحمل لقباً، بل لأنه يخضع للقاعدة قبل غيره. والسياسي لا يستحق الاحترام لكثرة حديثه عن الوطن، بل عندما تكون المصلحة العامة عنده أعلى من المنصب. والمواطن لا يصبح صالحاً بمجرد انتقاد الفساد، بل عندما يرفض المشاركة فيه ولو كان مستفيداً. وإذا لم ير المسؤول في موقعه إلا مساحة أوسع لفعل ما يشاء، فإن المؤسسات مهما كثرت ستبقى هشة. ولهذا فإن الحياء ليس فضيلة شخصية هامشية، بل يمكن أن يكون بنية تحتية أخلاقية للدولة. فالطرق قد تُبنى خلال سنوات، والقوانين قد تصدر في أيام، لكن بناء ثقافة ترى السلطة تكليفاً لا غنيمة يحتاج إلى زمن أطول. وهذه الثقافة لا تُبنى بالخطب، بل بالممارسة. وحين يرى المواطن أن المسؤول يُحاسب، وأن ابن المتنفذ لا يملك حقاً زائداً، وأن الوظيفة تذهب إلى الأكفأ، وأن القانون لا يسأل عن الاسم قبل الفعل، تتعلم الأجيال معنى الدولة من الواقع، لا من الشعارات. ومع كل ذلك فإن أخطر ما يحدث للمجتمع ليس أن يوجد فيه الخطأ، بل أن يعتاده. والإنسان الذي يخطئ ثم يخجل لا يزال يحتفظ ببقية من حياة أخلاقية. أما حين يتحول الفساد إلى نكتة، والواسطة إلى مهارة، والكذب إلى لعبة سياسية، والتملق إلى طريق للترقي، فإن المجتمع يكون قد انتقل من ممارسة الخطأ إلى التصالح معه, وهنا أعود إلى عنوان المقال، وهو حين يصبح القبح مألوفاً، تصبح الكرامة استثناءاً. وعندها تصبح الدولة أضعف، لأن الدولة في حقيقتها ليست إدارة للسكان والأرض فقط، بل اتفاق أخلاقي على أن الإنسان له قيمة، وأن القانون لا يعرف درجات من البشر. والدولة التي تستحق اسمها هي التي لا يحتاج فيها الفقير إلى الانحناء كي يحصل على حقه، ولا يحتاج فيها الغني إلى النفوذ كي يحمي مصالحه، ولا يحتاج فيها المسؤول إلى هالة كي يُحترم، بل يكفي كل واحد منهم أن يكون مواطناً.
