أخبار

حين تضع الحياة الأم ما بين الرحم والقلب حكاية أمومة


كان مجرد فيلم من أفلام الذكاء الاصطناعي يحكي عن فتاة أنجبت طفلا وكانت تنتظر أن ترى مولودا يشبه ما رسمته في خيالها لكنها فوجئت بأن ما خرج من رحمها كان وحشا صغيرا وكانت صدمتها واضحة ولم تستطع تقبله في اللحظة الأولى لكن ما هي إلا رمشة عين حتى رق قلبها له وركضت نحوه وضمته بين ضلوعها دون تردد لأنها أدركت أنه خرج من رحمها وأنه ابنها فلم تعد ترى شكله ولم تفكر في اختلافه ولم تهتم كيف سينظر إليه الآخرون بل احتضنته كما هو وكأن قلب الأم تجاوز كل شيء قبل أن يمنح العقل فرصة للحكم

قد تكون القصة خيالية وقد يكون التنين الصغير مجرد صورة صنعها الذكاء الاصطناعي لكن ذلك المشهد جعلني أتوقف عند معنى أكبر بكثير من القصة نفسها وجعلني أفكر في الأمومة حين يأتي الطفل إلى الدنيا على غير الصورة التي رسمتها أمه له فماذا يحدث عندما يكون الطفل مريضا أو يولد بإعاقة أو يحتاج إلى رعاية خاصة وهل تتغير مشاعر الأم تجاهه وهل يصبح اختلافه سببا في الابتعاد عنه أو الشعور بالخجل منه

ولا نقول الجميع فهناك أمهات يقدمن أروع صور الصبر والتضحية ويقفن إلى جانب أطفالهن في المرض والتعب ويجعلن من حياتهن سندا لأبنائهن لكننا في مجتمعاتنا الإسلامية نرى ونسمع حالات مؤلمة لبعض الأمهات اللواتي يجدن صعوبة في تقبل مرض أطفالهن أو الاعتراف بحاجتهم إلى رعاية خاصة وقد يكون الأمر أكثر ألما حين يشعر الطفل أن مرضه أصبح شيئا تخجل منه أمه أو أن وجوده أصبح عبئا عليها فالطفل لم يختر مرضه ولم يختر إعاقته ولم يختر أن يولد مختلفا عن الصورة التي كانت تحلم بها أمه وكل ما يحتاجه أن يشعر بأنه محبوب كما هو

ثم هناك أطفال يعيشون وجعا مختلفا بعد الطلاق فقد يعيشون مع الأب أو مع الأم لكنهم لا يجدون دائما الاحتواء الذي يحتاجونه وقد يتحول الطفل إلى طرف صامت في خلافات الكبار مع أنه لا ذنب له فيها فالطلاق قد ينهي علاقة بين زوجين لكنه لا ينبغي أن ينهي شعور الطفل بالأمان ولا أن يجعله يشعر بأنه فقد أحد والديه وهو ما يزال حاضرا في حياته فالطفل لا يفهم حسابات الكبار ولا يعرف من المخطئ ومن المصيب هو يريد فقط حضنا يشعره بالأمان وكلمة تقول له إنك ما زلت ابني وإن ما حدث بين والديك ليس ذنبك

وهنا يظهر الفرق بين من تنجب طفلا وبين من تكون أما له فالإنجاب لحظة أما الأمومة فهي عمر كامل من الرحمة والصبر والاحتواء والأمومة الحقيقية تظهر عندما يأتي الطفل مختلفا عن أحلامنا وعندما يكون مريضا أو ضعيفا أو محتاجا إلى رعاية أكثر من غيره وعندما تتعب الأم لكنها لا تجعل طفلها يشعر بأنه عبء عليها

وربما لهذا بقي ذلك المشهد الخيالي في ذهني فالفتاة في البداية رأت وحشا بعينيها لكنها عندما احتضنته رأته بقلبها لقد رأته ابنها وقد يولد الطفل مختلفا عن أحلامنا لكنه لا يولد أقل استحقاقا للحب فالرحم قد ينجب طفلا لكن القلب وحده هو الذي يصنع الأم



Source link

السابق
حين خرجت الوفود وبقي نتنياهو يدافع عن روايته
التالي
جاهزون لتنفيذ خارطة الطريق.. و”مجلس السلام” عاجز عن إلزام الاحتلال