أخبار

حين خرجت الوفود وبقي نتنياهو يدافع عن روايته


 

كتب : زياد فرحان المجالي – عمّان

قبل أن يقول بنيامين نتنياهو كلمته الأولى أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، كان المشهد قد سبقه إلى الكلام.

فمع صعوده إلى المنصة، بدأت وفود دبلوماسية بمغادرة القاعة، في مشهد يتكرر للعام الثاني على التوالي. وردّ نتنياهو لم يكن تجاهل الصورة أو محاولة امتصاصها، بل واجهها مباشرة قائلاً إن كان هناك مزيد من «الجبناء الأخلاقيين» الذين يريدون المغادرة فليفعلوا ذلك الآن. وفي المقابل، كان مؤيدوه في الشرفة يصفقون ويرددون شعارات التأييد حتى اضطر رئيس الجلسة إلى طلب الهدوء.

وهنا بدأت المفارقة.

الرجل الذي جاء ليعلن أن إسرائيل «لم تكن يومًا بهذه القوة»، أمضى جزءًا كبيرًا من خطابه يدافع، ويبرر، ويرد، ويتهم.

دافع عن الحرب في غزة، وعن العمليات في الضفة الغربية، وعن مواجهة إيران وحزب الله، وعن الجيش الإسرائيلي، وعن موقف حكومته من المساعدات والإبادة الجماعية، ثم اتسعت دائرة خصومه لتشمل قطر والجزيرة وتركيا والرئيس رجب طيب أردوغان وعمدة نيويورك زهران ممداني والجامعات ووسائل الإعلام ومنظمات دولية وناشطين.

كل هؤلاء، وفق البناء الذي قدمه نتنياهو، أخطأوا في فهم إسرائيل أو تعمدوا تشويهها.

لكن عندما تصبح قائمة المتهمين بهذا الاتساع، يصبح من المشروع طرح سؤال مختلف: هل المشكلة فعلًا في أن العالم كله لا يفهم إسرائيل، أم أن السياسات الإسرائيلية نفسها باتت تواجه أزمة قبول دولية متزايدة؟

حتى الإعلام الإسرائيلي تحدث قبل الخطاب عن مرحلة دبلوماسية صعبة، فيما جاءت زيارة نتنياهو إلى نيويورك قصيرة بصورة استثنائية، ومن دون اجتماع معلن مع الرئيس دونالد ترامب. ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن السفير السابق في واشنطن مايكل أورن قوله إن نتنياهو لا يخاطب الأمم المتحدة بقدر ما يخاطب الجمهور الإسرائيلي، وإن الكلمة تحمل ملامح خطاب انتخابي، خصوصًا أن الانتخابات الإسرائيلية مقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر.

وهذا يفسر كثيرًا من لغة الخطاب.

نتنياهو أراد تقديم نفسه للإسرائيليين باعتباره الرجل الذي ضرب إيران، وأضعف حزب الله، وحطم حماس، وأعاد الرهائن، ووقف أمام العالم مدافعًا عن إسرائيل.

لكنه في المقابل استند بقوة إلى الولايات المتحدة والرئيس ترامب، وكرر الإشادة بالشراكة الأميركية في الحرب على إيران، حتى إن صورة «إسرائيل التي لا تحتاج إلى أحد» اصطدمت بصورة أخرى داخل الخطاب نفسه: إسرائيل التي تجعل التحالف العسكري والسياسي الأميركي أحد أعمدة انتصارها.

وفي الملف الإيراني، انتقل نتنياهو من الحديث عن تدمير القدرات العسكرية إلى الحديث عن إسقاط النظام نفسه، مخاطبًا الشعب الإيراني ومتنبئًا بأن «قوة الشعب ستنتصر على من هم في السلطة». وهذا ليس تقريرًا لواقع محسوم، بل رؤية سياسية يريد لها أن تصبح واقعًا.

أما غزة فكانت مركز المرافعة.

قال إن حماس تستخدم المدنيين دروعًا بشرية، وإن إسرائيل وجهت ملايين التحذيرات، وأدخلت المساعدات واللقاحات، واستشهد بالخبير الأميركي جون سبنسر ليؤكد أن الجيش الإسرائيلي بذل لحماية المدنيين أكثر مما فعله أي جيش في التاريخ.

لكن كل ذلك لا يغلق الملف قانونيًا ولا إنسانيًا.

التحذير قبل القصف لا يحسم وحده مسألة التناسب، وإدخال المساعدات لا يلغي البحث في كيفية وصولها إلى السكان، واستخدام جماعة مسلحة لمنشآت مدنية لا يعفي أي جيش من التزاماته تجاه المدنيين. كما أن محكمة العدل الدولية لم تصدر حتى الآن حكمها النهائي في دعوى الإبادة، وبالتالي فإن إعلان نتنياهو أن الاتهام «أكبر كذبة في القرن» يبقى دفاعًا سياسيًا عن إسرائيل، لا حكمًا قضائيًا حاسمًا.

ثم جاءت سوريا لتكشف جانبًا آخر من الخطاب.

الرئيس السوري أحمد الشرع كان قد طالب من المنصة نفسها بانسحاب إسرائيل من الأراضي السورية التي دخلتها بعد سقوط نظام الأسد، وأكد أن الجولان أرض سورية، مشيرًا إلى مئات الضربات والغارات والتوغلات الإسرائيلية. والأمم المتحدة ما زالت تعتبر الجولان أرضًا سورية محتلة ولا تعترف بضم إسرائيل له.

لكن نتنياهو أعاد النزاع مرة أخرى إلى روايته التاريخية والدينية الأوسع؛ وهي الرواية نفسها التي استخدمها عندما تحدث عن «يهودا والسامرة»، وعن داود وسليمان، وعن ثلاثة آلاف سنة من التاريخ اليهودي.

وهنا تصبح المشكلة أعمق من حرب واحدة.

فالحدود والسيادة والاحتلال في القانون الدولي لا تُحسم بالنصوص الدينية، مثلما أن الحقوق الفلسطينية أو السورية لا تختفي لأن طرفًا يملك سردية تاريخية أقدم أو جيشًا أقوى.

ربما كانت أكثر جملة صدقًا في خطاب نتنياهو هي اعترافه بأن هناك «معركة من أجل الحقيقة» تدور في الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي.

لأن هذا بالتحديد ما كشفه خطابه.

المعركة لم تعد فقط على الأرض. أصبحت أيضًا معركة على تفسير ما حدث: من المعتدي؟ من الضحية؟ من يملك الرواية؟ وهل يمكن تحويل كل نقد لإسرائيل إلى معاداة للسامية، وكل اعتراض على الحرب إلى دفاع عن حماس، وكل رفض للاحتلال إلى اصطفاف مع الإرهاب؟

معاداة اليهود حقيقة خطيرة يجب رفضها بلا تردد، مثلما يجب رفض استهداف أي إنسان بسبب دينه أو هويته. لكن حماية اليهود من الكراهية شيء، وتحويل ذلك إلى حصانة سياسية لحكومة إسرائيلية شيء آخر.

في النهاية عاد نتنياهو ثلاثة آلاف عام إلى الوراء، إلى داود وسليمان واللغة العبرية ومارك توين والكتاب المقدس، وختم بأن إسرائيل ستنتصر لأنها «لا تملك خيارًا آخر».

لكن ما لم يجب عنه الخطاب هو السؤال الذي تركته المقاعد التي فرغت أمامه:

إذا كانت إسرائيل قد حققت كل هذه الانتصارات التي تحدث عنها، وإذا كانت أقوى من أي وقت مضى، فلماذا أصبحت حاجتها إلى الدفاع عن روايتها أمام العالم أكبر من أي وقت مضى؟

الصاروخ يستطيع إصابة هدف، والطائرة تستطيع عبور الحدود، والجيش يستطيع فرض وقائع على الأرض.

أما الشرعية، فلا تُفرض بالقوة.

ولهذا ربما كان المشهد الذي سبق خطاب نتنياهو أهم من الخطاب نفسه: وفود تغادر، ورئيس حكومة يقف أمام المقاعد التي أُخليت ليعلن أنه انتصر.



Source link

السابق
بعد الخطاب الملكي في الأمم المتحدة.. ما المطلوب أردنيا ؟ #عاجل