لم تكن مباراة الأردن أمام الأرجنتين مجرد خسارة بثلاثة أهداف مقابل هدف، بل كانت لقاءً بين حلمٍ وُلد حديثًا على مسرح كأس العالم، وتجربةٍ صنعتها سنوات طويلة من الاحتراف والانتصارات.
وقف النشامى أمام بطل العالم بشجاعة، وحاولوا ألّا يكون حضورهم مجرد صورة تذكارية. وعندما سجل موسى التعمري هدف الأردن، شعرنا أن المنتخب لم يدخل المباراة مستسلمًا لاسم المنافس، بل مؤمنًا بأن الكرة لا تعترف إلا بمن يجرؤ على المحاولة.
لكن الشجاعة وحدها لا تكفي.
فالمنتخبات الكبرى لا تنتصر لأنها أكثر حماسًا فقط، بل لأنها أكثر هدوءًا وتنظيمًا ودقة. تعرف متى تهاجم، ومتى تتراجع، وكيف تستفيد من الخطأ الصغير لتحوله إلى هدف. أما المنتخبات التي لا تزال في بداية طريقها، فقد تدفع ثمن لحظة تردد أو تدخل غير محسوب أو فقدان للتركيز.
وهنا تكمن الموعظة الأهم للنشامى: لا تجعلوا الوصول إلى كأس العالم نهاية الحلم، بل اجعلوه بداية المسؤولية.
إن التأهل إنجاز عظيم، لكن المحافظة على المكان بين الكبار تحتاج إلى ما هو أبعد من الفرح والتصفيق. تحتاج إلى بناء جيل بعد جيل، وتطوير الدوري المحلي، والعناية بالفئات العمرية، وزيادة الاحتكاك بالمنتخبات القوية، حتى لا تبقى مواجهة الأسماء الكبيرة حدثًا يثير الرهبة.
لقد علمتنا المباراة أن احترام الخصم لا يعني الخوف منه، وأن الدفاع لا يعني التخلي عن المبادرة، وأن الحماس إذا لم يسنده التنظيم قد يتحول إلى جهد جميل بلا نتيجة.
وفي كرة القدم، كما في الحياة، لا تكون الهزيمة عيبًا عندما تكشف لك مواضع النقص؛ العيب أن تغادر الملعب من دون أن تتعلم.
إلى لاعبي المنتخب الأردني نقول: ارفعوا رؤوسكم، لكن لا تغلقوا أعينكم عن الأخطاء. افتخروا بما حققتم، لكن لا تجعلوا الفخر ستارًا يمنع المراجعة. فالقادم لن يُبنى على الذكريات وحدها، بل على التدريب والانضباط والصبر.
لقد وصل الأردن إلى السماء الكروية للمرة الأولى، وعرف كيف يبدو العالم من هناك. أما الدرس الآن، فهو أن الوصول ليس أصعب ما في الرحلة؛ الأصعب أن نتعلم كيف نبقى، وكيف نعود في المرة المقبلة أكثر نضجًا، لا لنشارك فقط، بل لننافس وننتصر.
فالهزيمة التي تقود إلى المعرفة ليست سقوطًا، بل خطوة أولى نحو ارتفاعٍ جديد.
