يرجح المؤرخ الإسرائيلي المختص بشؤون الشرق الأوسط، #هارئيل_حوريف، أن السؤال ليس عمّا إذا كانت #الحرب ستعود على #غزة، بل متى، وبأيّ شدة؟
ويقول حوريف في مقال بموقع القناة 12 العبرية، إن أي تسوية لا تفكك “ #حماس ” كتنظيم حاكم ومسلح، ستتحول إلى مرحلة انتقالية في إعادة بناء الحركة، وإذا انتهت المرحلة الثانية و”حماس” لا تزال مسلحة، منظمة، ومموَّلة، فإن #الجولة_العسكرية المقبلة لن تكون فشلاً للتسوية، بل نتيجتها الحتمية.
ويرجح حوريف أن يتيح افتتاح معبر رفح اليوم عودة نحو 50 شخصاً إلى قطاع غزة يومياً. وفي المقابل، خروج 150 شخصاً إلى مصر، من دون مرور بضائع، وينتظر عشرات الآلاف الدخول إلى القطاع، بينهم طلاب وعائلات ممزقة وسكان عالقون خارج غزة منذ اندلاع الحرب منوها أن العدد المحدود الذي يُتوقع عبوره المعبر لن يحلّ أزمة القطاع.
ومع ذلك، يُعتبر فتح المعبر محطة أولى في الجهد الدولي للانتقال من مرحلة الأزمة إلى مرحلة بلورة واقع جديد في قطاع غزة.
ويقول حوريف إنه في موازاة فتح المعبر، من المفترض أن تبدأ حكومة التكنوقراط بإدارة القطاع. ومع ذلك، فإن معظم أجزاء غزة مدمّر بالكامل والأغلبية الساحقة من السكان تعيش، مؤقتاً، على أقل من نصف مساحة القطاع، بينما تسيطر إسرائيل على بقية المناطق؛ وأنظمة التعليم والصحة تخضع لإعادة تأهيل، لكنها لا تزال بعيدة عن توفير ظروف معقولة؛ وجزء كبير من النخبة الاقتصادية غادر القطاع خلال الحرب، ولذلك تضاءلت فرص إنعاش الاقتصاد في المستقبل القريب.
أمّا الرغبة الأمريكية في إنشاء ما يُسمى “رفح الخضراء”، كنموذجٍ لحياة أفضل في غزة، فهي برأيه لا تزال بعيدة عن التحقق، حتى لو بدأ البناء غداً، كما أن الوعود بضخّ مليارات الدولارات لإعادة الإعمار ما زالت مشروطة بتحقيق شروط يبدو كأن احتمال تحقُّقها منخفض في الوقت الراهن.
ويتبنى حوريف موقف حكومة الاحتلال، فيتّهم حركة “حماس” بأنها تقف أمام أيّ تقدم، وعن ذلك يقول: “لفهم مدى استعداد حماس للموافقة على شروط خطة ترامب، يجب فهم تصوُّرها لنفسها بصفتها الجهة الوحيدة الجديرة بقيادة الفلسطينيين، بغض النظر عن حجم التضحيات التي يدفعها المجتمع من حولها. وتنبع سياساتها من هذا التصور الصلب الذي عبّرت عنه قيادات حماس طوال أعوام باعتبار السكان وأملاكهم والبنية التحتية العامة أدوات لحماية مقاتلي الحركة؛ ورفض أي تسوية تتعلق بنزع السلاح، أو التراجع عن موقع القوة الفعلية. في نظر “حماس”، يمثّل الانتقال إلى المرحلة الثانية الوصول إلى قاع الأزمة، ومنها فقط يمكن إعادة البناء. لقد سبق أن خاضت الحركة هذه التجربة: ففي سنة 2004، قضت إسرائيل على معظم قادة الحركة العسكريين والسياسيين، لكن خلال أعوام قليلة فقط، أعادت “حماس” بناء نفسها، ومن تنظيم مسلح يضم نحو 1500 عنصر، تحولت الذراع العسكرية، بقيادة أحمد الجعبري، إلى جيش صغير، قوامه نحو 20 ألف مقاتل، تمكّن من تنفيذ عمليات استراتيجية، مثل أسر الجندي جلعاد شاليط (2006)، ثم السيطرة الكاملة على القطاع في سنة 2007.
ثلاثة أهداف
ويرى المؤرخ الإسرائيلي أن حماس حالياً، تسعى لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسة: ضمان بقائها كقوة سياسية واجتماعية، مع الاندماج في النظام الذي سيُشكَّل بعد الحرب، وهي تستمد الثقة من وضعها المستقر في استطلاعات الرأي، في مقابل تراجُع شعبية السلطة الفلسطينية و”فتح”.
وحسب مزاعم حوريف، فإن من أهداف حماس أيضا فتح القطاع لإعادة الإعمار الاقتصادي وضخّ الموارد بهدف السيطرة عليها على غرار ما تفعل بشاحنات المساعدات حالياً، وفق زعمه. والإبقاء على ذراعها العسكرية من دون تفكيك، وهذا الهدف مرتبط بالثاني: فتمويل المقاتلين يتطلب السيطرة على مصادر المال وفرض هذه السيطرة يتطلب وجود السلاح. وفي هذا السياق، تطالب الحركة بدمج نحو 10000 من عناصرها في قوة الشرطة المستقبلية. وفي الوقت عينه، تعيد الحركة بناء أُطرها العسكرية التي تضررت في القتال، وتجنّد عناصر جدُداً، وتعيّن قادة ميدانيين.
طبقا للمؤرخ الإسرائيلي، لا يمكن تفسير تصرفات “حماس” سوى بأنها سعيٌ للحفاظ على قوتها الفعلية خلف حكومة التكنوقراط وآليات الرقابة الدولية، والدليل الواضح على ذلك هو أن المسؤول الأمني في حكومة التكنوقراط، سامي نسمان، سيضطر إلى العمل من منطقة رفح غير الخاضعة لسيطرة “حماس. مدعيا أن نسمان من رجال السلطة الفلسطينية سبق وحكمت عليه محكمة “حماس”، غيابياً، بالسجن أعواماً بتهمة تصفية وتعذيب عناصر منها ومن الجهاد الإسلامي. مدعيا أن خشيته من العمل داخل القطاع تعكس فهمه العميق لمن سيبقون أصحاب القرار الحقيقيين على الأرض، وسواء بالزي الرسمي أو من دونه، ستبقى “حماس” هي الحاكم الفعلي للقطاع، والتكنوقراط يدركون ذلك جيداً.
ويتابع حوريف: “تكتيكياً، قد تقدّم حماس إشارات وخطوات مضللة، مثل تسليم رمزي لبعض الأسلحة والتخلّي عن السلاح الثقيل، تفكيك منشآت لوجستية محدودة، تسليم عدد من الأنفاق، ربما حتى نفي بعض عناصرها طوعاً، لكن استراتيجياً، ليس لديها نية التخلي عن غزة، وأثبتت في سنة 2007 أن السلاح الخفيف كان كافياً لانتزاع السيطرة على القطاع من قوات السلطة الفلسطينية، فكيف الحال اليوم في غياب قوة مُنافسة حقيقية؟ كذلك تستمد الحركة تشجيعاً من دعم راعيتَيها، قطر وتركيا، اللتين تسعيان لإقناع الرئيس ترامب بقبول هذا الواقع”.
هل ستعود الحرب؟
يقول حوريف إنه في ضوء هذه النيات، يبرز السؤال: ما هو احتمال عودة إسرائيل إلى القتال؟ والإجابة أن الاحتمال مرتفع؛ فالفجوة بين مطالب إسرائيل والولايات المتحدة في المرحلة الثانية، وبين ما تستعد “حماس” لتقديمه فعلياً، غير قابلة للجَسر.
ويقول أيضا إنه هنا توجد نقطة غالباً ما تهمَل: لا يكفي نزع سلاح “حماس”، بل يجب أن يشمل التفكيك الحقيقي لقدرتها العسكرية والسلطوية حلّ بنيتها التنظيمية بالكامل، الرسمية وغير الرسمية، من الكتائب والسرايا العسكرية، إلى البلديات وشبكات الدعم الاجتماعي والدعوي؛ فمن دون ذلك، لا توجد إعادة إعمار، ولا تفكيك كامل للأنفاق، ولا عمليات “نزع تطرّف” حقيقية، وهي أمور لا يمكن أن تنجح إلّا في بيئة استقرار طويلة الأمد، لا مصلحة لـ”حماس”، كحركة جهادية عقائدية، في بقائها، بعد أن تنتهي من إعادة بناء قوتها”.
ويستذكر المؤرخ الإسرائيلي أن رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو يكرر تعهُّده بأن “حماس” ستُجرَّد من سلاحها “طوعاً، أو بالقوة”، لكن ذلك يعتمد إلى حد كبير، على الموقف الأمريكي الذي يرى غزة جزءاً من استراتيجية إقليمية أوسع تشمل توسيع “اتفاقيات أبراهام”، وكجزءٍ ضمن إطار محورٍ إقليمي في مواجهة الصين. منوها هنا أنه قبل ثلاثة أشهر، صرّح سفير الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، مايك وايلز، بأن الاستراتيجية الأمريكية الأساسية هي توسيع “اتفاقيات أبراهام”.
ويضيف: “في رأيه، ليس من المستحسن أن تعود إسرائيل إلى قطاع غزة، خشية الإضرار بالعملية. ومع ذلك، لا تزال جوانب كثيرة من هذه النيات الحسنة غير ناضجة، وعلى رأسها التطبيع مع السعودية الذي يبدو كأنه يتراجع، وواشنطن تدرك أن نافذة الفرصة لتغيير واقع غزة ضيقة، وأنه لا يمكن تنفيذ خطة ترامب من دون تفكيك حماس. ومنذ زيارة نتنياهو إلى مارالاغو، تصاعدت نبرة التهديد الأمريكية، مع تحذير صريح بأن حماس ستُمنح شهوراً قليلة فقط في المرحلة الثانية لنزع سلاحها”.

