جو24- تصريحات أمريكية تثير تساؤلات حول التعاون الأمني بين الرياض وتل أبيب… هل تتحول مواجهة الحوثيين وإيران إلى بوابة للتطبيع السعودي الإسرائيلي، أم تصطدم الحسابات الأمريكية بالموقف السعودي من الدولة الفلسطينية؟
ليست أخطر التحولات السياسية في الشرق الأوسط تلك التي تعلنها الحكومات عبر الاتفاقيات الرسمية، بل تلك التي تبدأ بتصريحات تبدو عابرة، قبل أن تتحول إلى مقدمات لإعادة رسم التحالفات وتغيير موازين القوة. ومن هنا تكتسب التصريحات المنسوبة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن تقديم إسرائيل مساعدات للسعودية في مواجهة الحوثيين أهمية استراتيجية، لأنها تفتح سؤالاً يتجاوز طبيعة التعاون المزعوم: هل تحاول واشنطن تحويل التقاء المصالح الأمنية إلى مدخل لتطبيع سعودي إسرائيلي، تمهيداً لبناء منظومة إقليمية جديدة في مواجهة إيران؟
وبحسب تقرير نشره موقع «واللا» الإسرائيلي في السادس عشر من تشرين الأول 2026، قال ترامب للصحفيين، قبل توجهه إلى تجمع انتخابي بولاية جورجيا، إن إسرائيل قدمت مساعدة كبيرة للسعودية ضد الحوثيين، معتبراً أن انضمام المملكة إلى اتفاقيات إبراهيم أصبح مطروحاً «ربما أكثر من أي وقت مضى».
لكن الرئيس الأمريكي، وفق التقرير، لم يكشف طبيعة المساعدة أو توقيتها أو حجمها، ولم يقدم أدلة تثبت وجود تنسيق عسكري مباشر بين الرياض وتل أبيب. كما لم يتضمن التقرير تأكيداً سعودياً لهذه الرواية، ما يجعل التمييز بين التصريح السياسي والواقع العسكري ضرورة لا يجوز تجاوزها.
الحوثيون… بوابة التقارب الأمني
تدرك واشنطن أن التهديدات الحوثية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب تجاوزت حدود الصراع اليمني، وأصبحت مرتبطة بأمن الملاحة الدولية والتجارة العالمية ومصالح القوى الإقليمية.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة تصريحات ترامب باعتبارها محاولة لتقديم إسرائيل شريكاً أمنياً محتملاً للسعودية، عبر الإيحاء بوجود مصالح مشتركة في مواجهة التهديدات القادمة من اليمن.
غير أن تقاطع المصالح لا يعني بالضرورة قيام تحالف عسكري، كما أن مواجهة تهديد مشترك لا تثبت وجود تعاون مباشر بين الأطراف المعنية.
فالسعودية تنظر إلى أمن حدودها الجنوبية واستقرار اليمن باعتبارهما أولويتين وطنيتين، ولا يمكن اختزال سياستها الإقليمية في الحسابات الإسرائيلية أو الصراع الأمريكي الإيراني.
اتفاقيات إبراهيم… التطبيع قبل التسوية؟
الأكثر دلالة في تصريحات ترامب ليس الحديث عن الحوثيين وحده، وإنما ربطه بإمكانية انضمام السعودية إلى اتفاقيات إبراهيم.
فواشنطن تدرك أن التطبيع السعودي الإسرائيلي، إن تحقق، سيشكل تحولاً استراتيجياً كبيراً، ويمنح الإدارة الأمريكية إنجازاً دبلوماسياً يتجاوز الاتفاقيات التي أُبرمت عام 2020.
لكن هذه الرغبة تصطدم بالموقف السعودي المعلن، الذي يربط التطبيع بإقامة الدولة الفلسطينية وتحقيق تسوية تضمن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
وهنا تتكشف المفارقة: إسرائيل تسعى إلى توسيع الاعتراف الإقليمي بها، بينما تتمسك الرياض بأن القضية الفلسطينية لا يمكن تجاوزها في أي تسوية مستدامة.
إيران… إعادة هندسة التحالفات
تأتي هذه التصريحات وسط توترات متصاعدة بين واشنطن وطهران، ومحاولات إسرائيل تعزيز موقعها داخل الترتيبات الأمنية الإقليمية.
وقد تجد الإدارة الأمريكية في المخاوف من إيران والحوثيين مدخلاً لتشجيع تفاهمات أمنية أوسع، تمهيداً لنقلها تدريجياً إلى المستوى السياسي والدبلوماسي.
لكن بناء تحالفات إقليمية على أساس مواجهة إيران وحدها يحمل مخاطر كبيرة، لأنه قد يعمق الاستقطاب ويضع الدول العربية أمام خيارات لا تنسجم بالضرورة مع مصالحها الوطنية.
والسعودية، بما تمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي، قادرة على صياغة علاقاتها وفق أولوياتها المستقلة، بعيداً عن محاولات فرض تصورات أمنية إسرائيلية على المنطقة.
الأردن وفلسطين… معادلة لا يمكن تجاوزها
لا يمكن فصل أي مشروع للتطبيع السعودي الإسرائيلي عن القضية الفلسطينية، ولا عن المصالح الاستراتيجية الأردنية المرتبطة بالضفة الغربية والقدس.
فالأردن معني مباشرة بأي ترتيبات قد تمس الحقوق الوطنية الفلسطينية أو الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، في إطار الوصاية الهاشمية.
وأي مشروع إقليمي يحاول استبدال التسوية السياسية بتحالفات أمنية واقتصادية لن يعالج جذور الصراع، بل قد يؤسس لأزمات جديدة أكثر تعقيداً.
بين رغبة واشنطن وقرار الرياض
تكشف التصريحات المنسوبة إلى ترامب عن رغبة أمريكية في توسيع اتفاقيات إبراهيم، لكنها لا تثبت أن السعودية وافقت على تعاون عسكري مع إسرائيل، أو اتخذت قراراً بالتطبيع.
فالقرار السعودي لا تصنعه التصريحات الأمريكية، ولا تحدده الرغبات الإسرائيلية، وإنما تحكمه المصالح الوطنية للمملكة وحساباتها الاستراتيجية.
ويبقى السؤال الأكثر حساسية: هل تسعى واشنطن إلى بناء سلام إقليمي يعالج جذور الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أم إلى إقامة منظومة أمنية تتجاوز القضية الفلسطينية تحت عنوان مواجهة إيران؟
فالتحالفات قد تغيّر موازين القوة، لكنها لا تصنع سلاماً دائماً إذا تجاهلت حقوق الشعوب. والتطبيع الذي يسبق العدالة قد يفتح أبواب السفارات، لكنه لن يغلق أبواب الصراع.
