المشهد الأخير… حين اختزلت صورة السنوار مسيرة قائد
جو24- لم تكن الصورة الأخيرة ليحيى السنوار مجرد مشهد عابر في تغطية حرب غزة، بل تحولت إلى واحدة من أكثر الصور إثارة للجدل في الإعلامين العربي والدولي، بعدما اختزلت، في لحظات قليلة، مسيرة قائد ارتبط اسمه بمحطات مفصلية في تاريخ حركة “حماس”، من سنوات الأسر إلى قيادة الحركة، وصولًا إلى نهايته في ميدان المواجهة.
في تلك الصورة، وجد أنصار القضية الفلسطينية حول العالم مادة جديدة لاستعادة سيرة السنوار وقراءة شخصيته ومواقفه، فيما تعاملت معها وسائل إعلام إسرائيلية وغربية من زوايا متعددة، تراوحت بين التركيز على دلالاتها الأمنية والسياسية ومحاولة تفسير ما تكشفه عن الرجل الذي ظل حاضرًا في حسابات المؤسسة الإسرائيلية حتى لحظاته الأخيرة.
لم تكن أهمية المشهد نابعة من الصورة وحدها، بل من السياق الذي أحاط بها؛ فالرجل الذي أمضى سنوات طويلة في الأسر، ثم صعد إلى مواقع قيادية داخل “حماس”، انتهت مسيرته في مشهد أعاد طرح أسئلة عن معنى القيادة، وحدود القوة العسكرية، وقدرة الصور على التأثير في الذاكرة العامة وصناعة الرموز.
“في كل المعارك يبحث أطراف الصراع عن صورة الانتصار، وهي أحيانًا كثيرة يكون لها من الوزن ما يمنح صاحبها إمكانية التقدم على غير صعيد المعركة المعنوية، وهو ما لم يحدث في طوفان الأقصى، حيث لعبت الصورة الأخيرة للسنوار دورًا كبيرًا في وعي العالم وقلبت موازين الحسابات الإسرائيلية لغير صالحها”. بهذه العبارات، بدأ الأسير المحرر عثمان بلال فتح نافذة على عقلية وحياة “أبي إبراهيم”، في ذكرى استشهاده الثانية.
يقول عثمان إن الميدان كان له دور كبير في تشكيل الوعي العالمي خلال معركة “طوفان الأقصى”، مشيرًا إلى أن يحيى السنوار ظل، في صورته الأخيرة، يقاتل آلة البطش الإسرائيلية، ليس لآخر طلقة فقط، بل استعان بكل الوسائل المتاحة لديه، فكانت العصا وسيلته الأخيرة في محاربة تكنولوجيا العصر الحديث.
وأضاف، اليوم السبت، أن هذه الصورة ظلت راسخة في أذهان العالم وأصبحت رمزًا للشجاعة والقوة، ورُسمت لوحات جدارية عنها وتُرجمت إلى لغات عدة، وعُرفت فيما بعد بأسماء عدة، أهمها “صاحب العصا”، في كناية عن ذلك البطل الذي حمل قضيته بالصدق ذاته طوال حياته، وقضى عقودًا منها في الأسر، فهم خلالها عدوه وطريقة تفكيره.
وتابع: “لم يكن تنقل السنوار من طالب آداب إلى قائد طلابي نقابي مميز وتعاطيه السلس والمسؤول مع التداول القيادي إلا البداية للانتقال إلى بناء جهاز أمن للمقاومة، حيث لم يكن في وقتها إلا شابًا صغيرًا انطلق بإمكانيات أقل ما يقال عنها إنها ضئيلة، راكمت جهود متتابعة أوصلته إلى منظومة أمنية استطاعت خداع الاحتلال وتنفيذ طوفان الأقصى، لتصبح أهم خداع أمني استراتيجي في تاريخ الصراع بالمنطقة”.
وأشار إلى أن ما حدث في “طوفان الأقصى” لم يكن جديدًا على شخصية السنوار، فهو الذي طالما رفض الواقع المفروض عليه في سجون الاحتلال، محاولًا التخلص منه بأي وسيلة ممكنة أو غير ممكنة.
وأكد المتحدث باسم حركة “حماس” في الجزائر، يوسف حمدان، أن السنوار قدم نموذجًا فريدًا للقائد الملهم صاحب الرؤية الاستراتيجية، الذي يفهم عقل العدو ويستطيع نسج مسارات استثنائية متوازية تؤدي، في محصلتها، إلى إرباك مخططات العدو وحلفائه.
وقال حمدان: “لقد استطاع صاحب العصا تفكيك المنظومة التي بنى الكيان وجوده على أساسها، واستمر مسيطرًا لعقود طويلة يتغذى على حالة التماهي والذوبان في البيئة التي من المفترض أن تكون حاضنة وداعمة للحق الفلسطيني، ونجح في تنفيذ رؤيته بعزل الاحتلال عزلًا عنيفًا شديدًا سيؤدي في محصلته إلى تفكيك الكيان وزواله”.
وأضاف، في حديثه لـ”قدس برس”: “لقد شكل عقل السنوار معضلة أمنية للعدو داخل السجن وطوال السنوات التي عقبت الإفراج عنه في صفقة جلعاد شاليط، فقد قدم رؤية لإدارة الصراع مع الاحتلال تتضمن في داخلها مسارات متعددة واحتمالات متعاكسة شلت قدرة العدو على التنبؤ بما يخطط له ويعمل عليه ميدانيًا طوال 10 سنوات سبقت الطوفان”.
وتابع: “استطاع القائد المشتبك استكمال تطوير مسار (مراكمة القوة) بكل عناصره الذي بدأه الشيخ المؤسس، وأرساه على قواعده قادة العمل الجهادي بغطاء سياسي من رئيس الحركة الراحل هنية وإخوانه من القيادات التخصصية والجغرافية، ووفر له متطلبات حماية وتنمية هذا المسار الذي فاجأ الجميع على المستوى التقني والفني”.
وأشار إلى أن السنوار قدم خلال فترة قيادته للحركة في غزة نموذجًا عمليًا للعلاقات الوطنية بين مختلف مكونات الحالة الفلسطينية، واستطاع أن يحول حالة التباين على مستوى البرامج والرؤى إلى قوة دافعة للكل الوطني الفلسطيني، كادت أن تشكل في محطات متعددة مدخلًا لوحدة وطنية جامعة. ورغم عدم النجاح في إتمام هذا المسار لعوامل مختلفة، فإن هذه الأرضية الوطنية شكلت رافعة للعمل المقاوم والسياسي خلال فترة توليه رئاسة الحركة في غزة، ثم خلال تولي الشهيد هنية رئاسة المكتب السياسي للحركة.
وأردف: “لقد مثل السنوار حالة قيادية ثلاثية الأبعاد، فقد استطاع بخلفيته الأمنية وتجربته وعلاقاته العسكرية وأدائه السياسي والتنظيمي أن يجعل غزة، بكل ما فيها من مقومات ضعف بنيوية وآثار حصار ممتد لقرابة عقدين من الزمن، قادرة على مباغتة العدو ومفاجأته رغم قدراته الاستخباراتية والأمنية والعسكرية، وتحويل مخططات (حسم الصراع) الصهيونية إلى دوامة من الارتدادات الداخلية والخارجية التي لا يمكن التحكم بمساراتها، وتؤدي بنيويًا إلى تفكيك كل مراكز الثقل في بنية بقاء الاحتلال الأمنية والأيديولوجية والسياسية والاقتصادية”.
وشدد على أن التقدير السياسي والأمني الاستراتيجي لحكومة الاحتلال، التي مثّلها تحالف من عتاة التطرف القومي والديني، خلص إلى أن الوقت مناسب للتحول من (إدارة الصراع) إلى (حسم الصراع) مرة واحدة وللأبد، بشطب القضية بمكوناتها الثلاثة (الأرض والإنسان والمقدس)، عبر مسارات ميدانية وسياسية داخلية وخارجية تؤدي في محصلتها إلى طي صفحة الملف الفلسطيني وتحويله إلى شأن داخلي وقضايا أقليات، وعزله عن عمقه الاستراتيجي الطبيعي.
