أخبار

المقاومة بعد الطوفان… سؤال المستقبل لا سؤال البقاء


المقاومة بعد الطوفان… سؤال المستقبل لا سؤال البقاء

جو24- يضع الأستاذ عريب الرنتاوي إصبعه على جوهر المسألة حين يحذر من استعجال الإجابة عن مستقبل المقاومة الفلسطينية، فيما «الطوفان» نفسه لم يضع أوزاره بعد، وحين لا تزال ارتداداته تعيد تشكيل الإقليم من غزة إلى البحر الأحمر، ومن لبنان إلى إيران، وتضغط على السياسة والاقتصاد والممرات الدولية في آن واحد.

لكن ربما يمكن البناء على هذه الرؤية بالقول إن السؤال لم يعد: هل تبقى المقاومة الفلسطينية؟ بقدر ما أصبح: أي مقاومة ستخرج من هذه السنوات الثلاث، وبأي مشروع سياسي ووطني؟

فالمقاومة ليست تنظيماً بعينه، ولا بندقية وحدها، ولا جولة عسكرية مهما بلغت قوتها. إنها في الأصل نتيجة سياسية وتاريخية لوجود احتلال وشعب لم يحصل على حقوقه الوطنية. ولهذا فإن مستقبلها يرتبط، قبل أي شيء، بمستقبل القضية نفسها. ما دام الاحتلال قائماً، والاستيطان يتوسع، والدولة الفلسطينية غائبة، وحقوق الفلسطينيين معلقة، فإن دوافع المقاومة لن تختفي، حتى إن تبدلت التنظيمات والأسماء والأدوات.

لكن ما بعد السابع من أكتوبر ليس كما قبله. لقد دفعت غزة ثمناً إنسانياً هائلاً، وهذا يفرض على جميع القوى الفلسطينية مراجعة لا تقل شجاعة عن قرار المواجهة نفسه. فلا يكفي أن تصمد المقاومة عسكرياً؛ بل ينبغي أن تعرف كيف تحمي مجتمعها، وكيف تحول التضحيات إلى مكاسب سياسية، وكيف تمنع إسرائيل من تحويل القوة العسكرية إلى أداة لاستنزاف الشعب الفلسطيني بلا أفق.

وهنا تكمن المسألة الأصعب: المزاوجة بين المقاومة والسياسة.

قد تتمكن إسرائيل من اغتيال قائد، أو تدمير بنية عسكرية، أو احتلال مساحة جغرافية، لكنها لا تستطيع بوسائل القوة وحدها إنهاء فكرة المقاومة. وفي المقابل، لا تستطيع المقاومة أن تجعل من استمرار القتال هدفاً قائماً بذاته. فالسلاح الذي لا يفتح طريقاً إلى السياسة قد يتحول إلى استنزاف، والسياسة التي تنفصل تماماً عن عناصر القوة قد تتحول إلى إدارة دائمة للعجز.

ولهذا فإن المرحلة المقبلة تستدعي مشروعاً فلسطينياً جامعاً، يعيد بناء الوحدة الوطنية، ويعيد الاعتبار لمنظمة التحرير ومؤسسات التمثيل الفلسطيني، ويجمع المقاومة الشعبية والسياسية والدبلوماسية، مع الاحتفاظ بحق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال ضمن قواعد القانون الدولي.

لقد أثبت السابع من أكتوبر أن القضية الفلسطينية لا يمكن دفنها، لكن السنوات الثلاث التي تلته أثبتت أيضاً أن إعادة القضية إلى مركز العالم لا تكفي وحدها.

التحدي الحقيقي الآن هو كيف تتحول المقاومة من لحظة انفجار تاريخية إلى استراتيجية تحرر طويلة النفس، وكيف يصبح صمود الفلسطينيين طريقاً إلى الحرية لا دائرة متجددة من الدم والدمار.

وهنا، في تقديري، سيكون مستقبل المقاومة: ليس في السؤال عمن يبقى حاملاً للسلاح، بل عمن يستطيع تحويل التضحيات الفلسطينية الهائلة إلى مشروع وطني قادر على البقاء والانتصار سياسياً وتاريخياً.



Source link

السابق
عام على وقف إطلاق النار.. هذه خروقات الاحتلال للاتفاق
التالي
الدول الأعضاء في “الطاقة الدولية” مستعدة للإفراج عن مزيد من احتياطاتها النفطية إن لزم الأمر