أخبار

أثر أ عمال إزالة واقتلاع الأشجار القائمة على البيئة والبدائل المحتملة ضمن ظروف المكان واليات تخفيف الآثار السلبية


جو24- كتب – د. فاخر العكور

أعلنت أمانة عمّان في 10 أيلول 2026 بدء إزالة بعض الأشجار التي تعيق حركة المشاة، مع التأكيد أن التقييم يتم بحسب عرض الرصيف وتأثير الشجرة على البنية التحتية وحجب الرؤية، وأن الإزالة لا تعني التخلي عن زيادة الرقعة الخضراء. كما أكدت الأمانة أن الأشجار التي يمكن نقلها ستُنقل إلى مواقع أخرى. وفي 28 أيلول 2026 دعت لجنة البيئة والمناخ النيابية إلى وقف الإزالة مؤقتًا لحين وضع خطة علمية وفنية معلنة لإدارة الأشجار والأرصفة.

وبالنظر إلى ما يجري حاليًا في أمانة عمّان خلال أيلول 2026، فالإزالة العشوائية للأشجار ليست سياسة بيئية سليمة، كما أن الإبقاء على كل شجرة بغض النظر عن موقعها ليس سياسة سليمة أيضًا. إذا ما هو الحل؟

وبداية تجدر الإشارة إلى أن أمانة عمّان الكبرى لديها نوعا ما أدلة إرشادية متخصصة للزراعة الحضرية، كما أن هناك سوابق لديها في نقل الأشجار وإعادة زراعتها؛ ففي برنامج سابق أعلنت الأمانة إزالة 55 ألف شجرة من الأرصفة، مع نقل جزء منها، وربطت ذلك بمعايير عرض الأرصفة وسلامة المشاة.

هل القضية بتلك البساطة بمجرد السؤال هل إزالة الأشجار خطأ أم هل إزالة الأشجار ضرورية؟ والجواب أيضا يتعدى اختصارها بنعم ام لا. لكن السؤال يتمحور حول كيفية تحقيق التوازن بين سلامة المشاة وكفاءة الأرصفة والمحافظة على رأس المال البيئي للأشجار القائمة.

والسؤال الذي يطرح يحتاج للإجابة عليه للتمعن والتفكير العميق والخبرة والدراسات الميدانية الحقيقية والتي تتعلق بالأثر البيئي الناتج عن أعمال إزالة واقتلاع الأشجار القائمة في شوارع وأرصفة مدينة عمّان؟ وما هي البدائل؟ وما هي خطة التعويض والتخفيف؟

وبداية لا بد من التأكيد على ان الأشجار الموجودة في شوارع وأرصفة عمّان تمثل بنية تحتية خضراء قائمة بالفعل؛ فهي لا توفر فقط قيمة جمالية، وإنما تقوم بوظائف بيئية تشمل تظليل الأرصفة والشوارع.  وتخفيف درجات الحرارة والإجهاد الحراري.  وامتصاص جزء من ملوثات الهواء.  وتخزين الكربون.  وتخفيف جريان مياه الأمطار.  وتوفير موائل للكائنات الحية والتنوع الحيوي.  وتحسين جودة البيئة الحضرية.  ودعم رياضة المشي والانشطة البدنية من خلال توفير مساحات مظللة.  وتقليل تعرض المباني والأسطح للإشعاع الشمسي. وغير ذلك مما قد يخطر على بال المختصين بهذا المجال.

وإذ نؤكد على ان هذه الوظائف تكتسب أهمية خاصة في عمّان، كما في غيرها، بسبب المناخ شبه الجاف، محدودية المياه، التوسع العمراني، ارتفاع نسبة الأسطح الصلبة والإسفلتية، وتزايد موجات الحرارة. وقد اشارت عديد من الدراسات المحلية على عمّان بوجود علاقة مباشرة بين الغطاء النباتي ودرجة حرارة سطح الأرض، كما أظهرت نماذج مناخية أن زيادة الغطاء النباتي يمكن أن تحسن الراحة الحرارية في المناطق الحضرية، إضافة الى رفع مستويات السعادة المجتمعية والصحة وطول العمر.

وفي المقابل، ليست كل شجرة مناسبة لكل رصيف.  فقد تصبح بعض الأشجار عائقًا حقيقيًا للمشاة أو تسبب رفع البلاط أو إعاقة ذوي الاحتياجات الخاصة أو حجب الإشارات أو الاقتراب من شبكات الكهرباء. وهذا هو السبب في أن الحل العلمي يجب أن يبدأ بـالتقييم والمحافظة والنقل قبل الاقتلاع النهائي.

والسؤال الذي يمكن اثارته لتبرير دفاعنا عن الأشجار وضرورة وجودها لا بد من معرفة ما الأثر البيئي لإزالة شجرة قائمة؟

وللإجابة لا بد من الإشارة الى امكانية تقسيم الأثر إلى خمسة مستويات تتعلق بخصوصية المدن المكتظة ونبدأ بما أشرنا اليه سابقا وهو توفير الظل والتبريد كمستوى عالي من الأهمية والذي يتمثل بانخفاض المساحات المظللة للمشاة. ونتبعه بجودة الهواء التي يتم احتجاز كميات كبيرة من الملوثات العالقة بالهواء بأهمية عالية أيضا. ولا يقل من ذلك أهمية ما يسمى بالراحة الحرارية المرتبطة بارتفاع معدلات التعرض لأشعة الشمس المباشرة. يلي ذلك انخفاض تواجد مصدات الرياح وزيادة سرعة جريان المياه نتيجة غياب معترضات الامطار (الأشجار) وانخفاض القيمة الجمالية بالمواقع الخالية او منخفضة الغطاء النباتي. ولا يقل أيضا أهمية هو غياب وفقدان مواطن تغذية الكائنات الحية وخصوصا الطيور وبالأخص المهاجرة منها والتي اتخذت من هذه الأشجار مسارا تهتدي به برحلتها والتي أصلا تعزز القيمة البيئية للمكان وتعطيه حيوية حضرية وبيئية وقيمة جمالية يصعب تقدير قيمها الاقتصادية كما يصعب تقدير قيمها الايكولوجية بما يحمله المصطلح من معنى وقيمة.

ويبرز هنا التبرير حيث انه لا يمكن حساب الضرر البيئي بعدد الأشجار فقط. فشجرة عمرها 20–30 سنة لا تعادل بيئيًا عشرات الشتلات الصغيرة مباشرة بعد زراعتها لوجود ارتباطات بيئية وايكولوجية نتجت عبر الزمن كبديل عن الفقد الذي حدث أصلا نتيجة الزحف العمراني والذي عوض جزء منه من خلال هذه الممرات الايكولوجية الصغيرة والتي أدت وظائف مرحلية عوضت الفقد التام.

وهذا يجيب على السؤال الذي يطرح بصيغ أهمها لماذا الأشجار القديمة مهمة بشكل خاص؟

فهناك فرق كبير بين إزالة شجرة كبيرة واستبدالها بزراعة شتلة وبين نقل شجرة كبيرة قابلة للنقل وإعادة زراعتها، وبين الإبقاء على الشجرة ومعالجة الرصيف حولها كبديل وحل.

فالشجرة القائمة تمتلك بالفعل جذورًا متطورة وتاجًا يوفر مساحة تظليل كبيرة، وله قدرة أكبر على التبريد، كما ان له كتلة حيوية متراكمة، وقدرة عالية على تثبيت الكربون.  لذلك، فإن عبارة سنزرع شجرة بديلة لا تعني بالضرورة تعويض الوظيفة البيئية للشجرة التي أزيلت.

لكن ما هي خصوصية عمّان. ولماذا الموضوع أكثر حساسية؟

والاجابة تتلخص بان عمّان ليست مدينة ذات مناخ رطب ووفرة مياه. بل تواجه ارتفاع بدرجات الحرارة والجفاف مع ندرة المياه يغلبها جميعا التوسع العمراني وانتشار الأسطح الإسفلتية والخرسانية. وللتأكيد فقد أظهرت دراسة محلية على جبل النظيف أن السيناريوهات التي تزيد الغطاء النباتي يمكن أن تخفض درجة الحرارة الإشعاعية المتوسطة بنحو 7 درجات مئوية تقريبًا في بعض الحالات، وهو مؤشر مهم جدًا لراحة الإنسان وليس بالضرورة انخفاضًا مماثلًا في درجة حرارة الهواء.

عندما بدأت أوروبا وخصوصا اسبانيا بالانتباه الى موضوع البيئة وتطبيقاتها على المجالات الحضرية والصناعية والتي اخذت بعدا وطنيا جادا يشترك فيه جميع الفئات المستهدفة وهنا لا اشير الى الحكومة فقط وانما الى جميع الفئات الشريكة بالبيئة. واعتقد ان الامر ما زال متبعا على مستوى العالم الا وهو البحث عن البدائل.

وارى ان يكون البديل الأول هو ان لا تقتلع الشجرة قبل دراسة إمكانية إبقائها. وعليه أقترح اعتماد التسلسل التالي كنموذج تحقيقي للوصول الى القرار بما يسمى سلم القرار والذي يبدا من الشجرة القائمة ومعضلة هل هي خطرة؟

فإذا كانت الاجابة نعم فقرار الإزالة/او النقل يكون ويؤخذ بعين الاعتبار الحالة. اما اذا كانت الإجابة ب لا فيبرز سؤال اخر وهو هل تعيق المشاة؟ وهل يمكن معالجة المشكلة بالتقليم؟

فان كانت الإجابة نعم فنلجأ الى التقليم. اما ان كانت الإجابة ب لا . فهل يمكن تعديل الرصيف حولها؟ فان كانت ب نعم فتعديل الرصيف. وان كانت ب لا فهل يمكن نقل الشجرة؟ فان كانت ب نعم فيتم النقل وإعادة الزراعة.  وان كانت ب لا فتكون إزالة مبررة فنيًا. ثم فيكون تعويض بيئي إلزامي وموقعه محدد مسبقا.

وهذا يتوافق جزئيًا مع ما أعلنته الأمانة حاليًا من أن التقليم يستخدم عندما يكون كافيًا، بينما تتم الإزالة عندما لا يمكن معالجة المشكلة بالتقليم وتصبح الشجرة عائقًا كاملًا.

اما البديل الثاني فيكون بإعادة تصميم الرصيف بدل إزالة الشجرة. واعتقد ان هذه النقطة أراها من أهم الحلول لعمّان. حيث يمكن أحيانًا تنفيذ خيار إعادة توزيع الرصيف مع وجود حوض شجرة مناسب وايجاد ممر مشاة مستمر.

ومن الحلول الإضافية التي يمكن ان تدرس ويتم تقييمها:

نقل حوض الشجرة إلى جانب الرصيف.

زيادة مساحة الحوض بدل قطع النبات.

استخدام أرصفة منفذة للمياه.

استخدام جذور موجهة أو حواجز جذرية عند الحاجة.

رفع الرصيف حول منطقة الجذور بطريقة هندسية.

ترك مسار مشاة مستمر بعرض مناسب.

استخدام ممرات مشتركة بين الأشجار والأثاث الحضري.

وتوجد بالفعل في عمّان نماذج لتطوير الأرصفة مع استخدام أحواض الأشجار والتصميم الحضري، مثل مشروع تأهيل شارع الخالدي.

والسؤال المهم والملح هو متى تكون إزالة الشجرة مبررة؟

وهنا أقترح اعتماد مصفوفة تقييم موحدة قبل أي عملية اقتلاع يتم بناؤها بأوزان حسب الأهمية بحيث يكون المعيار مجزءا الى عدة معايير أولها القيمة البيئية والعمرية ويكون بوزن 25%. يليه معيار تأثيرها على سلامة المشاة بوزن 20%. ثم تأثير الجذور على البنية التحتية بوزن 15%. ثم إمكانية التقليم بوزن 10%. ثم إمكانية النقل بوزن 10% ومعيار أخير خطر سقوط الشجرة بوزن 10%. وبمجموع من 100% تحدد اوزانه الفعلية التي تخضع لمعيار اشمل يتخذ بناءا عليه القرار المناسب. ولا يسمح بالاقتلاع إلا بعد توثيق النتيجة.

وهنا لا بد من التأكيد على البدء بما يسمى بالجرد الحضري للأشجار يعتمد كقاعدة بيانات وطنية/بلدية للأشجار الحضرية في عمّان. بحيث يكون لكل شجرة رقم تعريفي (Tree ID) وتسجل بسجل يشمل الموقع GPS والنوع والعمر التقريبي، قيمتها البيئية وبيانات أخرى تتعلق بفسيولوجية النبات ان أمكن، وعلاقتها بالرصيف، وقربها من الكهرباء. ، وغيرها من المعايير التقييمية.

وبما ان أمانة عمّان تمتلك أصلًا مرصد وهو مرصد عمّان الحضري والذي يقوم بجمع وتحليل البيانات والمؤشرات الحضرية، فيكون هذا الإطار مناسبًا لتطوير قاعدة بيانات الأشجار. وعمل خريطة شجرية او بيئية مقترحة لعمّان بعنوان الخريطة البيئية للأشجار الحضرية في مدينة عمّان وتحتوي على طبقات مسقطة بطبقات توضيحية تضم المعايير السابقة او غيرها تقترح بحسب أولويات العمل الإداري والفني المتبع في الأمانة تبدأ من الأشجار القائمة وتنتهي بالمناطق ذات النقص في الغطاء النباتي. وبذلك لا تصبح عملية إزالة الأشجار قرارًا منفردًا، بل قرارًا مكانيًا قائمًا على البيانات. يعتمد بالنهاية مفهوم التعويض الأخضر المكاني بمعنى انه قد لا تكون الشجرة البديلة بنفس المكان وانما بمكان يحقق التعويض ضمن إطار مكاني أوسع يحقق البعد البئي والايكولوجي. بحيث يمكن اعتماد تعويض يعتمد على حجم وقيمة الشجرة   شريطة ان يكون أيضا وظيفيا.

فمثلا إذا أزيلت شجرة كبيرة توفر مثلاً مساحة ظل واسعة، فيمكن ان يكون التعويض مبني على عدد الأشجار ومساحة التاج المستقبلية للبدائل مع نسبة البقاء

لكن كيف يتم اختيار الأنواع المناسبة لعمّان؟ لنتفق أولا ان الهدف هو زراعة النوع الصحيح في المكان الصحيح. بحيث يعتمد تقسيم التشجير الى أنواع نباتية مخصصة للأرصفة الضيقة واخرى للأرصفة الواسعة ومجموعة للجزر الوسطية وأخرى للحدائق وللممرات الخضراء.

وأخيرا، توجد بعض المناطق في عمّان تصميم الرصيف والتشجير فيها يمكن أن يعملا معًا بدل اعتبارهما متعارضين.

وأخيرا هل اوفي الموضوع حقه؟ اعتقد بانه لا يمكن خلال هذه العجالة ان تتم تغطية الموضوع والاحاطة بأبعاده كما يجب ان يكون. لكني أقترح على من يلقي السمع وهو بصير أن تكون المشاركة جزءًا من نظام اتخاذ القرار نفسه، وليس مجرد استشارة بعد اتخاذ قرار الإزالة. ويمكن بناء آلية عملية لعمّان تحت عنوان: نظام المشاركة العلمية والمجتمعية لإدارة الأشجار الحضرية. والهدف هو أن يصبح لكل شجرة مرشحة للإزالة أو النقل ملف قرار موثق، ومراجعة فنية مستقلة، وإمكانية اطلاع المجتمع، وخطة تعويض قابلة للتتبع. والمبدأ الأساس هو ان لا يكون ممثل الجهة صاحبة العلاقة الإدارية او حتى المجتمع صاحب القرار الفني، ولا تكون الجهة المنفذة هي الجهة الوحيدة التي تقيم ضرورة الإزالة. وهنا نعود لقاعدة افصل بين صاحب القرار وصاحب التقييم. أي أن الجهة التي تنفذ أعمال الأرصفة أو الطرق لا ينبغي أن تكون وحدها الجهة التي تقرر القيمة البيئية للشجرة وإمكانية إنقاذها. وعليه يكون القرار النهائي لدى الأمانة، لكن يستند إلى تقييم فني موثق وقابل للمراجعة. تحت قاعدة لا إزالة دون تقييم، ولا تقييم دون توثيق، ولا توثيق دون إتاحة، ولا إزالة نهائية دون بدائل، ولا تعويض يُعتبر ناجحًا قبل إثبات بقاء الأشجار التعويضية وقيامها بالوظائف البيئية المستهدفة.»

وبالنسبة للعاصمة تحديدًا، أرى أن إشراك الجامعات في هذا الملف يمكن أن يتجاوز الدور الاستشاري التقليدي ليصبح شبكة بحثية دائمة تقيس أثر القرارات على الحرارة، الظل، المياه، التربة، التنوع الحيوي، وصحة الأشجار؛ وهذا يمكن أن يحول ملف الأشجار من قضية خلافية حول «الاقتلاع» إلى برنامج علمي لإدارة البنية التحتية الخضراء للمدينة.



Source link

السابق
بين دهاء الواقعية وسراب المناورة.. كيف أفشل بن سلمان ألاعيب نتنياهو؟
التالي
الانتخابات البلدية تقترب…هل يمكن لبنيان الدولة أن يقوم دون أن تنتخب عمان أمينها؟؟؟ #عاجل