الانتخابات البلدية تقترب…هل يمكن لبنيان الدولة أن يقوم دون أن تنتخب عمان أمينها؟؟؟ #عاجل
د. عبدالحكيم الحسبان
جو24- كتب – د.عبدالحكيم الحسبان
رئاسة الوزراء
قيل الكثير في مبررات سن القانون الجديد للبلديات، وفي استثناء أمانة عمان من الانتخاب المباشر للامين واذ صب معظم أو جل ما قيل في خانة عقلنة المبررات الخدماتية والتنظيمية والتقنية التي تبرر القانون الجديد للبلديات، وهنا لا يمكن للمرء إلا أن يكون مع كل ما يصب في عقلنة عمل البلديات وتحديثه بل وتثويره وبما يؤدي لمزيد من الانتاج والخير والرفاهية لساكني المدينة ومرتاديها.
ويكتسي تحديث القوانين المتصلة بالبلديات أهميته من هذا النمو الهائل في الكتل الحضرية ومن التحولات السريعة التي يعيشها السياق الاردني اقتصاديا واجتماعيا واذا انتقلت البلاد في اقل من قرن من الزمن من مجتمعات هي في جلها فلاحية ورعوية ارتكزت إلى ظاهرة القرية المكتفية ذاتيا والى الحمى او الواجهات العشائرية إلى مجتمعات ذات اقتصاد صناعي وخدماتي تختفي فيه ظاهرة القرية وتنمو فيه ظاهرة المدينة المدولنة والمعولمة.
وأما ما يجب أن يثير مزيدا من النقاش ويستحق الكثير من التوقف عنده فهو هذا الحديث عن الاستنناء العماني والذي استلزم أن تستثنى عمان من اختيار وتقرير وتسمية من يقود العمل البلدي فيها أسوة بباقي المدن والبلدات الاردنية. صحيح أننا يمكن ان نملك اطنانا من الكلام والحجج التي تساعدنا في القول أن عمان مختلفة فهي بالفعل مختلفة، وبما يدعم موقفنا أن عمان يجب الا تنتخب من يقودها، وهنا يجري استحضار مركزية عمان باعتبارها الاكبر سكانيا وباعتبارها العاصمة أو مركز البلاد السياسي والديموغرافي والاقتصادي والخدماتي والتعليمي والحضري والعمراني. وهذه كلها حقائق لن يختلف الناس حولها وعليها.
ولكن النقاش في الخصوصية العمانية التي تبرر استثناء عمان من حق بل وواجب انتخاب أمينها، يوازيه نقاش اخر وحجة اخرى تقول أن الخصوصية العمانية هل التي تبرر بل وتستوجب أن تكون عمان على رأس المدن والحواضر التي تنتخب وتسمي من يقود العمل البلدي فيها. ويتعلق الامر هنا بمستوى من المبررات يتجاوز القضايا الخدمية والاقتصادية والتقنية والتنموية المرتبطة بعمان ليصل إلى القضايا التي تمس جوهر مسار بناء الدولة بل وامكانيات بقاءها وديمومة كيانها السياسي والدولتي.
فمن تحدثوا عن عمان وبرروا حرمانها من واجب انتخاب امينها، برروا ذلك بكلام وبخطاب اقتصادي واجتماعي وخدماتي تقني وبيروقراطي، واذ كان لافتا هذا الغياب أو التغييب للسياسة وللخطاب السياسي في مناقشة مسألة عمان تنتخب أمين أم لا تنتخب. فقد غاب النقاش في السياسي وفي السياسة عند الحديث عن انتخاب عمان او عدم انتخابها لامينها. فكان أن تم القرار باستثناء عمان من الانتخاب لان الاقتصاد والخدمات والديموغرافيا يبررون عدم ذهاب العمانيين لاختيار أمين العاصمة، في حين ان استحضار السياسة والسياسي، كما استحضار مسألة بناء الدولة لا بناء عمان، في النقاش كان سيقول لنا أن عمان، ولانها الاستثناء، فانها يجب أن تكون القائدة والرائدة على صعيد مسار الانتخابات البلدية جلها.
تقول السياسة كما يقول منطق بناء الدولة في الاردن، أن عمان، وكما انها لا تشبه المدن الاخرى في حجم الديموغرافيا، وفي الاقتصاد وفي مستوى الاحتياج للخدمات، فان عمان هي في السياسة وفي المشروع السياسي لبناء الدولة الحديثة في الاردن هي أيضا استثناء لا يمكن تجاوزه ولا يمكن استثنائه من مسار الانتخاب ومسار الدمقرطة والتحديث.
وتكمن خصوصية عمان على صعيد الموقع السياسي وعلى صعيد مشروع بناء الدولة، في أن الطفيلة لا تشبه الا الطفيلة، ومعان لا تشبه الا معان، واربد لا تشبه الا إربد، وحدها عمان التي تتجاوز حقيقة شبهها بنفسها لتصبح الاكثر شبها بالاردن. ففي الطفيلة واربد والرمثا والكرك لن تجد كل المكونات الاردنية وقد اجتمعت في مكان واحد، ولكنك ستجدها في عمان. ما يجعل عمان هي البلاد كلها ليس على صعيد العديد السكاني بل على الصعيد الانثروبولوجي الثقافي الاجتماعي. الكرك هي جزء وقطعة عزيزة من الاردن، كما هي إربد ولكن عمان ليست قطعة من الاردن بل هي الاردن، لان سلسلة التحولات الحضرية فيها جعلت الطفيلي والاربدي والرمثاوي والمعاني يسكنونها ويتعايشون مع بعضهم بعضا فيها، ويشكلون نسيجا حضريا جامعا للاردن كله.
في عمان فقط ودونا عن كافة المدن الاردنية يعيش الاردني تجربة العيش في الاردن كله لان مجتمع عمان يمثل المجتمع الاردني كله. ما يعني أن الرابط الوطني الذي نريده أن يستبدل الرابط المناطقي او العشائري او الطائفي تتوافر عناصره بكثافة في مدينة عمان، فعمان تعرض بل وتفرض على من يسكنها أن ينسج رابطا مدينيا ودولتيا يتجاوز رابطة العشيرة ورابطة المنطقة التي يعيشها إن كان يعيش في الطفيلة أو إربد أو كفرسوم أو ملكا والصريح.
ولان عمان هي الاردن بالمعنى الانثروبولوجي فإن الاردن المعورب ستجد أن عمان هي الاكثر تجسيدا له. ففي عمان يعيش الاردني من أصول مقدسية ونابلسية وعراقية وشامية ومغربية باكثر مما تعيشه أي مدينة اردنية اخرى شمالا أو جنوبا. فمن ينظر في تشكل عمان وتطور نسيجها العمراني والحضري والانثروبولوجي سوف يلاحظ في هذا المسار اجتذاب عمان عن دون المدن الاردنية لهذا الدفق السكاني من الشام ولبنان وفلسطين والعراق وبلاد العرب المختلفة. فعمان هي المدينة الاكثر عوربة في الاردن. وينقلنا النقاش هنا الى حقيقة اخرى، وهي أن عمان ولانها الاردن فهي المدينة الاكثر عولمة واذا انتقلت المدينة من نموذج القرية المعزولة المستقلة والمكتفية ذاتيا قبل حوالي القرن، إلى المدينة الاكثر عولمة والاكثر تشبيكا وتشابكا مع حواضر العوالم أسواقا وبنوكا وجامعات.
وهو ما يستوجب أن ينقلنا النقاش إلى معنى ودلالة أن تكون عمان دونها دون مدن البلاد هي الاكثر شبها بالاردن. فان تكون عمان اجتمعت فيها كل المكونات الاردنية من الشمال والوسط والجنوب، وان تكون عمان المكان الذي تكثفت فيه عناصر العولمة الاقتصادية والثقافية، فهذا يعني أن حرمان عمان من الانتخاب لا يشبه حرمان مدينة جرش او عجلون أو اربد من الانتخاب بل يضعنا أمام عناوين كبرى مختلفة تتعلق بكامل أسس المشروع الوطني ومشروع بناء الدولة في الاردن.
فحرمان عمان من انتخاب أمينها يعني حرمان المشروع الوطني الاردني جله من الدور الرائد والطليعي الذي يمكن للمدينة ألاكثر أردنية والاكثر دولتية والاكثر عولمة مع يعنيه ذلك من تجاوز لروابط كيانات ما قبل الدولة (روابط العشيرة والمنطقة والطائفة) من تكون القاطرة والرائدة في مشروع بناء الدولة وتحديث بنيانها السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ولا يتعلق الامر هنا بحرمان 40 بالمئة من سكان الاردن التي هي نسبة عدد سكان عمان الى باقي سكان البلاد، بل يتعلق الامر هنا بقراءة نوعية وليست كمية. فحرمان سكان عمان من الانتخاب لا يعني مجرد حرمان 40 بالمئة من سكان البلاد من حق الانتخاب، ولكنه يعني حرمان العناصر الاكثر عولمة والاكثر مدينية من الانتخاب ومن قيادة قاطرة التحديث السياسي في البلاد.
فالدراسات والبحوث الاجتماعية والانثروبولوجية تتفق في جلها على أن الفضاءات الاكثر مدينية تتحول فيها العلاقات من شخصية إلى علاقات اكثر رسمية واكثر تجريدا تضمحل فيها الروابط الاولية من عشائرية ومناطقية وتنمو اكثر فيها روابط المواطنية والروابط الوطنية الدولتية. كما أ الفضاءات المدينية هي الاكثر احتشادا بالنخب الاقتصادية والتعليمية والسياسية والثقافية هي النخب التي تقود نحو التحديث ونحو النهوض الوطني. ما يعني ان حرمان عمان من الانتخاب لامينها هو خسران وفقدان للمشروع الوطني برمته لدور عمان ونخبها في مشروع بناء الدولة ولدور عمان كقاطرة في مشروع التحديث السياسي برمته.
ربما من المهم الاشارة إلى ظواهر عشناها في المجتمعات القريبة والبعيدة منا على صعيد العلاقة بين العمل البلدي وعلاقته بالسياسة وبتشكل النخب الريادية التي تقود. ففي فرنسا لطالما كانت المدينة وبلديتها إلى خط الانتاج الاول في مصانع انتاج النخب والقيادات السياسية. فجاك شيراك استحال الى زعيم وطني بعد أن خاض غمار الترشح والفوز في انتخابات بلدية باريس، ولان باريس هي الاكثر فرنسية بين كل مدن فرنسا فقد استحال الى زعيم فرنسي. وفي تركيا كانت بلدية استامبول هي المصنع لشخصية اردوغان لينتقل بعدها الى موقع الزعيم الوطني، وذات الامر ينطبق على زعيم المعارضة التركي الذي فاز بانتخابات استامبول وخاف رجب طيب اردوغان من امكانية وصوله لرئاسة تركيا فقرر ان يضعه في السجن.
أحزم أن عمان وحدها من بين كل المدن الاردنية من يمكنها أن تصنع قيادات وزعامات بمقاس وحجم دولتي ووطني، بالنظر إلى عدد سكان عمان كما الى خصائصهم الاجتماعية والانثروبولوجية. في عمان وحدها يمكن لمن يخوض غمار السياسة أن يفوز باصوات عابرة للمنطقة والعشيرة والطائفة واذ يمكن للطفيلي والاربدي والرمثاوي وذي الجذور النابلسية والمقدسية والشامية أن يجتمعوا كلهم كي يختاروا أسما سيحمل بعدها صفة ولقبا عابرا للمنطقة والمدينة والعشيرة. وأما حرمان عمان من انتخاب امينها فسيبقينا في دائرة انتاج زعامات وقيادات هي بحجم العشيرة او فخذ منها، او بحجم نصف مدينة أو عدة حارات منها.
نريد عمان ان تنتخب ليس من باب الانصاف والمساواة فقط وبما يعطي اهل عمان حقا لهم، بل نريد عمان ان تنتخب كي تساعد اهل اربد وجرش ومعان على صعيد النموذج والريادة في ممارسة النشاط الدولتي والمواطناتي ويما يثري المسار الوطني كله.
