أخبار

من «صناعة الزعيم» إلى إدارة الخوف.. ماذا تكشف مستشارة نتنياهو السابقة عن الرجل الذي غيّر إسرائيل؟


كتب زياد فرحان المجالي – 

ليس من السهل أن نفهم بنيامين نتنياهو إذا اكتفينا بمتابعة تصريحاته اليومية، أو خطاباته في الكنيست، أو حتى قراراته العسكرية. فالرجل الذي شغل موقعًا مركزيًا في السياسة الإسرائيلية لعقود لم يكن مجرد سياسي نجح في الانتخابات مرات عديدة، بل أصبح ظاهرة سياسية وإعلامية تستحق الدراسة.

لهذا تبدو شهادة الدكتورة روث بار، المستشارة الاستراتيجية التي عملت معه في بدايات صعوده السياسي، مهمة ليس بسبب الجانب الشخصي الذي ربط اسمها به قبل أكثر من ثلاثين عامًا، وإنما لأنها كانت واحدة ممن شاهدوا مبكرًا كيف يجري بناء صورة نتنياهو أمام الجمهور الإسرائيلي.

بار تقول إنها عملت معه أكثر من ثلاث سنوات، درست ظهوره التلفزيوني، ولغة جسده، وطريقة حديثه، ومدى تأثيره في الجمهور، وراقبت موقعه مقارنة بمنافسيه داخل حزب الليكود.

ومن أهم ما تقوله إن أول ما لفت انتباهها في شخصيته كان شعورًا شديدًا بالتفوق.

بحسب وصفها، كان نتنياهو مقتنعًا منذ وقت مبكر بأنه أكثر قدرة من المحيطين به، وكان ينظر إلى كثير من المسؤولين والسياسيين باعتبارهم أقل منه مستوى.

قد يكون هذا التوصيف شخصيًا، وقد يختلف معه آخرون ممن عملوا مع نتنياهو، لكن أهميته أنه يساعد على تفسير جانب من سلوك الرجل لاحقًا: ثقته الكبيرة بنفسه، ميله إلى السيطرة على الحوار، ورفضه أن يكون مجرد طرف في المشهد السياسي.

وتروي بار أنها كانت تنصحه في ظهوره الإعلامي بألا يسمح للمذيع بقيادة المقابلة، بل أن يفرض هو إيقاعها ويحدد موضوعها.

وهذه نقطة مهمة جدًا.

نتنياهو أدرك مبكرًا أن السياسة في عصر التلفزيون ليست فقط قرارات ومواقف، وإنما صورة ورواية وانطباع.

فالسياسي قد يخسر حدثًا على الأرض، لكنه يستطيع أحيانًا أن يربح تفسير ذلك الحدث في عقول الجمهور.

ومن هنا، ربما، بدأ أحد أهم أسرار استمرار نتنياهو.

فهو لا ينتظر خصومه حتى يحددوا القضية التي سيدافع عن نفسه فيها، بل يحاول نقل النقاش إلى قضية أخرى يكون فيها أقوى.

إذا أصبح الاقتصاد نقطة ضعف، ينتقل إلى الأمن.

وإذا أصبح الأمن عبئًا، ينتقل إلى إيران.

وإذا أصبح السؤال عن المسؤولية، يتحول النقاش إلى الخطر الذي يهدد إسرائيل أو إلى خصومه السياسيين.

هذا الأسلوب لا يعني أن نتنياهو وحده يمارسه؛ فهو جزء من السياسة الحديثة في دول كثيرة. لكن الفارق أن الرجل أتقنه بدرجة جعلته قادرًا على البقاء في مركز الحياة السياسية الإسرائيلية لفترة استثنائية.

الأكثر إثارة في شهادة بار حديثها عن ما تسميه إسرائيل اليوم «آلة السم»؛ أي تحويل الهجوم على الخصوم إلى عملية مستمرة تستهدف صورتهم ومصداقيتهم، لا مجرد الاختلاف معهم في السياسة.

هنا نصل إلى قراءتنا نحن.

القضية بالنسبة للقارئ العربي لا ينبغي أن تكون قصة علاقة قديمة أو تفاصيل شخصية تعود إلى عام 1993. تلك أمور تخص أصحابها ولا تساعد كثيرًا في فهم إسرائيل.

المهم هو فهم كيف صُنعت شخصية سياسية كان لها تأثير مباشر في المنطقة كلها.

نتنياهو لم يبق في الحكم بالقوة العسكرية وحدها، ولا بالدعم الأميركي وحده، ولا حتى بأصوات اليمين وحدها. لقد بنى علاقة مع جزء كبير من المجتمع الإسرائيلي تقوم على ثلاث كلمات: الخوف، القوة، والنجاة.

يقدم نفسه بوصفه الرجل الذي يرى الخطر قبل الآخرين، ويعرف إيران أكثر منهم، ويفهم الولايات المتحدة أكثر منهم، ويستطيع حماية إسرائيل حين يعجز الآخرون.

لكن 7 أكتوبر وضع هذه الصورة أمام أصعب امتحان.

فالرجل الذي قدّم نفسه طويلًا باعتباره «السيد أمن» وجد نفسه رئيسًا للحكومة في اليوم الذي شهد أكبر انهيار أمني إسرائيلي منذ عقود.

ومع ذلك لم يسقط سياسيًا.

وهنا تكمن ربما أهم دلالة في شهادة روث بار: نتنياهو ليس مجرد سياسي يدير الأحداث، بل سياسي بارع في إدارة الطريقة التي يتذكر بها الجمهور الأحداث.

وهذا هو الجانب الذي ينبغي أن يفهمه القارئ العربي.

فحين نقرأ تصريحات نتنياهو، لا يكفي أن نسأل: ماذا قال؟

علينا أيضًا أن نسأل: لماذا قاله الآن؟ وما الصورة التي يريد أن تبقى في عقل الإسرائيلي بعد انتهاء الخطاب؟

فقد يكون مفتاح فهم نتنياهو ليس فقط في قراراته، بل في المعركة التي خاضها طوال حياته السياسية للسيطرة على الرواية قبل السيطرة على السياسة.



Source link

السابق
استشهاد 1100 فلسطيني بالضفة خلال 3 سنوات
التالي
مؤسسة كيوتوس تثير الجدل حول الموت الرحيم في نيويورك