أخبار

الحيزان العام والخاص اختلطا فينا.. فانتجنا حكاما لا قادة، ورعايا وسائحين لا مواطنين!


كتب أ. د. عبدالحكيم الحسبان – 

في تعبير الاردنيين وكثير من الاشقاء العرب عن غضبهم من ممارسة لمسؤول حكومي إثر تكشف واقعة فساد، أو تجبر مسؤول حكومي أو تسلطه، كثيرا ما تكون ردة الفعل اللغوية تتساءل فيما اذا كان الامر يتعلق بمزرعة عائلية أم بدولة وبمؤسسات دولة. من المهم الاشارة إلى أن لفظة مزرعة اشتقت من الفعل زرع وهي مع تطور الزمن صارت تشير إلى ملكية المكان او الارض التي يمارس فيها فعل الزراعة. ومنذ سنوات تطور معنى جديد للفظة؛ فصارت تكتسب دلالة جديدة لا يمكن للاجنبي أن يفهمها اذ ترجمت فقط بل ينبغي شرح سياقها له. لان اللفظة صارت تحمل مضامين سياسية وحقوقية. فلفظة مزرعة وحسب السياق الذي تستخدم فيه قد تشير الى الحيازة الزراعية الخاصة وقد تشير إلى تعبير لفظي استنكاري واحتجاجي مشحون بدلالات سياسية. وهي بهذا المعنى المستجد صارت تعني تصرف المسؤول الحكومي وكأن الدولة ومؤسساتها هي ملك له، وكانها حيازة خاصة يتصرف بها كيفما وأنما يشاء.

من المفارقات التي يثيرها استخدام لفظة “مزرعة” الشائع والعميم عند الاردنيين أنها تحيلنا إلى إشكالية وموضوعة كبرى تمحور حولها مفهوم الدولة الحديثة وهويتها، كما تمحورت حولها النماذج المختلفة للدولة الحديثة التي نشاهدها في اربع رياح الارض. فلفظة مزرعة التي تخرج من افواه الاردنيين ومن اخوتهم العرب تحيلنا إلى التمييز بين ما هو خاص وما هو عام. وبين ما يسمى في علوم السياسة وانثروبولوجيا السياسة الشأن العام والشأن الخاص، اذ كان على كل مجتمعات الارض وعلى مر كل الازمان أن تعالج أم الاشكاليات التي هي حقيقة أن الانسان كائن فرد وفيه كثير من العناصر التي تقول له انه فرد مستقل، وتحفزه على أن يكون منفردا ومتوحدا. ولكن الانسان أيضا هو المخلوق والكائن الجمعي والاكثر جماعية, وهو لا يستطيع ان يعيش ويقوى دون الجماعة بل ودون القطيع ودون ان يكون عضوا متشابها بل ومتطابقا ومتماهيا في قطيع.

والحال، فان الدولة الحديثة كانت تتطور وفق مسار تاريخي يقوم على تنامي التمييز بين الحيز العام والحيز الخاص. فالحيز الخاص يشير إلى ما يتعلق بالفرد من حيز جسدي ونفسي وبدني وعاطفي. وهو يشير ايضا الى نمط تدينه وعلاقته بخالقه. كما يشتمل الحيز الخاص على مسكنه وبيته والعوالم الخاصة التي يعيش يومياتها فيها من اصدقاء واقرباء وجيران. فكل تلك هي مساحة خاصة تشكل ما يسمى بالحيز الخاص. وأما مفهوم الحيز العام فهو يشير الى كل تلك المساحات والفراغات التي تتعلق بالعموم كالشارع والمدرسة والمشفى والممتلكات والاصول العامة التي تعود ادارتها وملكيتها لما نسميه الدولة.

وأما الدولة فقد كانت تمثل دوما ذلك الكائن العام في كل فرد وفي تلك المساحة التي تجمع الافراد بعضهم ببعض، في حين كان الخاص يمثل تلك المساحة التي تنتمي للفرد وتشتمل على كتلة من الممارسات المتصلة بنوازعه ومشاعره ومعتقداته. كما تشتمل تلك المساحة على الحيز المكاني الذي سكن فيه ويمارس حياته الخاصة فيه. ولكن التقسيم لا يبدو بهذه البساطة والميكانيكية والوضوح فما يملكه الشخص من مال وعقار هو في ضمن الحيز الخاص ولكنه في ذات الوقت هو ضمن الحيز العام لان الدولة من واجبها ان تعرف حجم الدخل السنوي كي تستخلص منه المبلغ الذي يمثل حق الجماعة وينتمي للحيز العام أي الضرائب والمكوس.

وبالقدر الذي كانت ظاهرة الدولة الحديثة تتجذر فيه كان التمييز بين العام والخاص يتجذر ويتعمق ويزداد وضوحا داخل الفرد وداخل الدولة دستورا ومؤسسات . ففي الدولة الحديثة تتعمق الفكرة التي تقول ان داخل الفرد هناك مساحة خاصة تنتمي له وهو من يملكها حصريا ويمتلك حق التصرف بها وانها يجب ان تبقى بعيدا عن يد الدولة . واذ الدولة في الجوهر تمثل العام فينا اي تمثل الجماعة. وبالتوازي مع ذلك تتجذر داخل الفرد فكرة ان الجزء العام منه والموجود خارج الحيز الخاص به موجود داخل الدولة. فالعام في الفرد تمت اضافته للدولة واما الخاص فيه فقد تم انتزاعه من الجماعة اي الدولة.

ومن هذه الثنائية اي ثنائية العام ونقيضه الخاص، لطالما انبثق المقدس الدولتي وولد في الدولة الحديثة. فالمقدس في الدولة الحديثة يقوم على فعل ثنائي وعلى ممارسة ديالكتيكية او جدلية. ففي الدولة الحديثة تبتعد الدولة كثيرا وكثيرا جدا عن الحيز الخاص للفرد وهي تترك له حرية التصرف داخل هذا الحيز ويصبح من مهمة الدولة ومؤسساتها من قضاء وحكومة وبرلمان واعلام ان تحمي تلك المساحة الخاصة وذلك الحيز الخاص فينا. وبالقدر الذي تنمو فيه قدسية الحيز الخاص بالفرد داخل بنيان الدولة تشريعا وسلطة تنفيذية وقضاء واعلاما يولد المقدس النقيض والمكمل له داخل الفرد. اي قدسية الحيز العام، أي قدسية تلك المساحة الدولتية والعامة والجماعية داخل كل فرد والتي من مجموعها تتشكل الدولة ويتشكل الحيز العام. فالدولة تتشكل وتنمو بالقدر الذي ينمو فيه مفهوم الحيز العام داخل الفرد، واما مفهوم الحيز العام فهو يولد بالقدر الذي تقوم الدولة بحماية الحيز الخاص بالفرد ولا تتدخل به بل تحميه وتصونه وتؤمن اقصى درجات الحماية لحريته.

واما المحصلة التي تنتج عن هاتين القدسيتين وعن ذلك الجدل ما بين المقدسين فهو انتعاش الانسان وازدهار حياته وفكره ونمو قدراته وملكاته بعيدا عن تدخل الدولة في حيزه الخاص ونتيجة لشعوره بان حيزه الخاص يتمتع بالاحترام بل بالقدسية من قبل الجماعة اي الدولة. وفي مقابل ذلك يكون المقدس الثاني المقابل يعمل ويزدهر. فالفرد الذي احترمت الجماعة مساحته الخاصة وحمت ممارساته الفكرية والبيولوجيه والثقافية فانه يجد نفسه مضطرا للاندماج اكثر في الشأن العام اي الدولة. ويصبح العام مقدسا ويصبح المال العام والممتلك العام مقدسا ومحرما.

في الدولة الحديثة يكون المقدس لدى الحيز العام أي الدولة، هو الفرد والحيز الخاص المرتبط به والذي حدده الدستور وتوافقت الجماعة على مساحته. واما المقدس لدى الفرد فهو الجماعة والدولة والحيز العام. ويكون من نتيجة هذه الجدلية ان تنسحب الدولة كثيرا من الحيز الخاص لتتركه للفرد ولقراره محترمة خياراته، في حين ان الفرد يمارس كثيرا من التفاعل والتدخل والفعل والنشاط داخل الحيز العام. فينتخب ويراقب ويحاسب ويراقب في كل ما يتعلق بالشأن العام. فلا يترك قرش عام الا ويصر على ان يعرف كيف اتى، ولماذا ا تى،وكيف أنفق، ولماذا أنفق.

ولان التمييز بين العام والخاص لم يتشكل كثيرا في مجتمعات العرب فان التمييز بين المساحتين يختفي داخل الانسان العربي. وهو ما يفسر عدم تمييز الموظف العام زعيما او وزيرا او موظفا بين ما يمكن ان يفعله بالدولة وناسها وما يمكن ان يفعله ببيته او ملكيته الخاصة او ملكية عائلته، ففي هذه البلاد لم ينشأ التمييز بعد في ذهنه بين العام والخاص. وهو ما يفسر ايضا عدم اقتحام الانسان العربي للحيز العام انتخابا وفعلا ورقابة ومحاسبة وتركه للحيز العام باعتباره ليس له وباعتباره ملكية للزعيم ولمن التفوا حول.

فالتمييز الدقيق والكبير والحميد بين العام والخاص في الدولة الحديثة هو ما يحدد ان كان المجتمع ينتج سلطة تبدو ظاهريا وكانها تدير المجتمع ولكنها في الجوهر تستبد به وتنهبه وتتشارك نهبه مع الغريب والاجنبي. والتمييز بين العام والخاص هو ما يحدد بنفس القدر ان كان المجتمع ينتج قيادة جاءت بقرار منه، ونتيجة سيطرة كاملة منه على قراره، وعلى شأنه العام. أجزم أن ثمة برزخ كبير يفصل بين مفهوم السلطة ومفهوم القيادة.

وينسحب التمييز الدقيق بين العام والخاص ايضا ليترك اثره وتأثيره في تحول البشر من رعايا مجرد رعايا لدى السلطة ومن يتزعمها الى مواطنين اي مخلوقات دولة وكائنات دولة. فحين يختلط العام بالخاص ويكون العام في لحظة ما شأنا خاصا وحين يصبح الخاص شأنا عاما فانك لن تجد أمامك مجتمعا او أمة، بل ستجد كائنات ما قبل الدولة يعيشون ضمن جماعات ما قبل الدولة من عشائر وطوائف وشلل وحارات وأزقة. وحينها ستجد ان من يفترض بهم ان يكونوا مواطنين هم مجرد سائحين اجانب وان كانوا ولدوا على ارض يعتقد انها تنتمي لهم وينتمون لها. فثمة برزخ كبير بين من يعيش على أرضه مواطنا ومن يعيش كل حياته سائحا. فالانسان يستحيل لمواطن عندما يهتم ويتفاعل و يعنيه كل تفصيل في الارض التي ينتمي اليها بدءا من نظافة الشارع حتى مسألة فتح سفارة لدولة ما في بلاده، واما السائح فهو من جاء أرضا ومكانا كي يمضي أياما دون ان يعنيه كثيرا أمر ما يجري في المكان الذي هو عليه لأنه سيرحل عنه. ومرة اخرى فمن المثير للحزن اننا في بلاد العرب نجد سواحا وسائحين ولا نجد مواطنين وكائنات دولة.

ثمة مفارقة اضافية في المشهد وهي تتعلق بالدساتير في بلاد العرب. ففي هذه البلاد ولان الدساتير في البلاد التي فيها دساتير هي في الاصل نسخت عن دساتير دول حديثة رائدة اخرى كبريطانيا وفرنسا والمانيا وبلجيكا، فان هذه الدساتير قائمة على التمييز الدقيق بين العام والخاص وعلى احترام العام للخاص، وعلى مسؤولية الخاص في الرقابة بل والسيطرة على العام، فان مجموع الممارسات بل والقوانين التي تمارس على الارض لا تعطي كبير وزن لنصوص الدستور بل وتذهب في اتجاهات مخالفة.



Source link

السابق
جو 24 : تنقلات إدارية واسعة في وزارة الأشغال تشمل عدة مديريات