أخبار

حين تكشف النفايات ما نخفيه عن أنفسنا

حين تكشف النفايات ما نخفيه عن أنفسنا


 

مرّ أسبوع على وجودي في مدينة توركوي، الواقعة في جنوب غرب مدينة لندن؛ أسبوع لم يخلُ من حزن صامت كلما رأيت نظافة شوارعها وأحيائها وحدائقها، فتنهض في داخلي عمّان، مسقط الرأس والمدينة التي لا نحتاج إلى سبب كي نعشقها.

في توركوي، لا تعلن النظافة عن نفسها بالشعارات، بل تظهر في غياب ما يشوّه المكان. لا نفايات تتكدّس حول الحاويات، ولا أعقاب سجائر تحتل الأرصفة، ولا فناجين قهوة فارغة تُترك فوق المقاعد أو بين الأشجار. يغادر الإنسان المكان من دون أن يترك خلفه دليلًا على استهتاره، كأنه يدرك أن وجوده لا يمنحه حق الإساءة إلى ما سيأتي إليه الآخرون من بعده.

وليس ما أراه هنا في مدينة توركوي معجزةً بريطانية، ولا صفةً فطرية اختص بها شعب دون غيره، بل ثمرة ثقافة طويلة علّمت الإنسان أن بيته لا ينتهي عند عتبته، وأن الشارع والحديقة والرصيف امتداد لمسؤوليته الأخلاقية. فالمكان العام ليس أرضًا بلا صاحب؛ إنه بيت مشترك، ومن يلوّثه لا يرمي النفايات على الأرض وحدها، بل يهدر جزءًا من احترامه للآخرين.

وحين أقارن ذلك ببعض ما نراه في عمّان، تصبح المجاملة نوعًا من الخيانة. فالمدينة التي نغني لها ونرفع اسمها في الخطب، نخذلها أحيانًا في أبسط التفاصيل. يخرج بعضنا إلى المنتزه حاملًا الطعام والقهوة، ثم يعود تاركًا الأكياس والعلب والفناجين وأعقاب السجائر، وكأنه استأجر الجمال لساعات، ثم أعاده إلى أصحابه مشوّهًا.

نحرص على أن تلمع غرف الضيوف في بيوتنا، لكننا لا نجد حرجًا في أن يتسخ الرصيف أمامها. نحافظ على نظافة سياراتنا، ثم نلقي من نوافذها عقب سيجارة أو فنجان قهوة. وهنا يظهر التناقض: نحن لا نرفض القذارة حقًا، بل نرفضها فقط حين تقترب من حدودنا الخاصة.

إنها ليست أزمة نفايات، بل أزمة في معنى المسؤولية. فاليد لا ترمي قبل أن يتنازل الضمير، والإنسان لا يلوّث المكان إلا بعد أن يقنع نفسه بأن راحته أهم من حق غيره، وأن عاملًا مجهولًا سيأتي ليحمل عنه نتائج أنانيته.

ثم ينتشر الذباب والبعوض حول الحاويات المفتوحة وبقايا الطعام، فنشتكي منهما كأنهما ظهرا بلا سبب. نطالب برش المبيدات، ولا نعترف بأننا أعددنا للذباب مائدته، وصنعنا للبعوض بيئته، ثم أردنا من امانة عمان أن تعالج النتائج بينما نواصل إنتاج الأسباب.

ولا تُعفى امانة عمان من المسؤولية؛ فالحاوية المكسورة، وتأخر جمع النفايات، وضعف الرقابة، كلها صور لتقصير إداري واضح. لكن فشل البلدية لا يمنح المواطن رخصة لإيذاء مدينته، كما أن استهتار المواطن لا يعفي المسؤول من واجبه.

إن عامل الوطن لا ينبغي أن يكون ظلًا يمشي خلفنا ليلتقط بقايا إهمالنا. فالمكنسة تنظف الطريق، لكنها لا تستطيع أن تنظف الضمير.

المجتمع المتحضر لا يُقاس بعدد عمال النظافة، بل بعدد الذين لا يحتاجون إلى من ينظف وراءهم.

وعمّان لن تستعيد نقاءها بالمواعظ وحدها، بل حين نفهم أن حب الوطن ليس قصيدة تُقال، وإنما أثر لا نتركه قبيحًا خلفنا.

فالذباب لا يصنع القمامة، والبعوض لا يفتح الحاويات، والشارع لا يرمي على نفسه أعقاب السجائر وفناجين القهوة.

نحن نفعل ذلك، ثم نقف أمام النتيجة وكأننا أبرياء منها.

 



Source link

السابق
كأس العالم 2026 الأعلى تسجيلًا للأهداف على مدار التاريخ
التالي
ارقام قياسية جديدة في مدرجات كاس العالم 2026