كتب حلمي الأسمر
قد يبدو السؤال صادماً.
بل قد يراه البعض استفزازياً أو ظالماً.
لكن كلما طال أمد الحرب على غزة،. رغم ما اتفاق وقف إطلاق النار الصوري؛ وكلما تكشفت شبكات التمويل والاستثمار التي أبقت آلة الحرب تعمل، أصبح من الصعب تجاهل هذا السؤال أو الهروب منه.
هل موّل العرب جرائم الكيان الصهيوني في غزة؟
للوهلة الأولى يبدو الجواب سهلاً: لا.
فلم تعلن أي دولة عربية أنها دفعت ثمن قنبلة سقطت على غزة، ولم يخرج مسؤول عربي ليقول إنه موّل دبابة أو طائرة أو عملية عسكرية.
لكن المشكلة أن الحروب الحديثة لا تُموَّل بهذه الطريقة.
في القرن الحادي والعشرين لا تحتاج الدولة إلى أن يرسل لها أحد حقيبة أموال. يكفي أن تجد من يشتري ديونها، أو يستثمر في سنداتها، أو يضخ أمواله في المؤسسات المالية التي تمول اقتصادها، أو يترك أمواله تدار داخل شبكة عالمية لا تسأل كثيراً عن الوجهة النهائية لرأس المال.
هنا تبدأ القصة.
منذ اندلاع الحرب الصهيونية العدوانية على غزة لجأت إسرائيل إلى أسواق المال العالمية بصورة غير مسبوقة. أصدرت مليارات الدولارات من السندات الحكومية، واستعانت بأكبر البنوك والمؤسسات المالية الدولية لتسويقها وبيعها للمستثمرين حول العالم. وقد أظهرت تقارير مالية وحقوقية أن بنوكاً عالمية كبرى مثل غولدمان ساكس وجي بي مورغان وسيتي وبنك أوف أمريكا ودويتشه بنك وباركليز شاركت في ترتيب أو تغطية إصدارات ضخمة من السندات الإسرائيلية خلال الحرب.
وفي الوقت نفسه كشفت تحقيقات صحفية عن دور مؤسسات استثمارية عملاقة مثل أليانز (حسب ما نشر إعلام الغرب) في شراء كميات كبيرة من السندات الحكومية الإسرائيلية، حتى أصبحت من بين أكبر المستثمرين الأجانب فيها خلال فترة الحرب.
لكن من أين جاءت الأموال التي اشترت تلك السندات؟
هنا يصبح السؤال عربياً بامتياز.
فالعالم المالي اليوم لا يعرف الحدود السياسية التي يعرفها الناس. أموال الصناديق السيادية الخليجية، وصناديق التقاعد العربية، وشركات التأمين والبنوك الاستثمارية العربية، لا تبقى داخل خزائن الدول. إنها تتدفق إلى الأسواق العالمية، وتُدار عبر مؤسسات مالية دولية، وتدخل في محافظ استثمارية ضخمة تضم آلاف الشركات والسندات والأدوات المالية.
وتشير الدراسات الخاصة بصناديق الثروة السيادية إلى أن الصناديق الخليجية الكبرى تدير تريليونات الدولارات وتستثمر بصورة واسعة في الأسواق الغربية والعالمية عبر شبكات من مديري الأصول وصناديق الأسهم الخاصة ورؤوس الأموال الاستثمارية. كما أن كثيراً من استثماراتها تتم عبر هياكل مالية معقدة تجعل تتبع الوجهة النهائية للأموال أمراً بالغ الصعوبة.
وهنا تبرز المفارقة الأخلاقية الكبرى.
فقد يكون المواطن العربي غاضباً مما يجري في غزة.
وقد تكون حكومته قد أدانت الحرب.
وقد يشارك في حملات التبرع والإغاثة، (رغم أن بعض القوانين العربية تجرم عمل الخير هذا)
لكن جزءاً من مدخراته أو أموال تقاعده أو أموال بلاده السيادية قد يكون موجوداً داخل صناديق عالمية تستثمر في مؤسسات مالية اشترت سندات إسرائيلية أو موّلت اقتصاد الحرب بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
إنها مفارقة العولمة المالية.
ففي الزمن القديم كان من السهل معرفة من يمول الحرب.
أما اليوم فإن المال يتحرك عبر عشرات الوسطاء ومئات الصناديق وآلاف الشركات قبل أن يصل إلى وجهته النهائية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل جلس مسؤول عربي ووقّع شيكاً لتمويل الحرب على غزة؟
السؤال الحقيقي هو: هل أصبح جزء من رأس المال العربي، عن قصد أو دون قصد(!)، جزءاً من المنظومة المالية العالمية التي ساعدت إسرائيل على تمويل حربها؟
الجواب الصادق هو أن أحداً لا يعرف الحجم الحقيقي لهذه المساهمة.
لكن المؤكد أن الأموال العربية جزء من النظام المالي العالمي.
والمؤكد أن هذا النظام موّل شراء السندات الإسرائيلية واستمرار تدفق رأس المال إلى الاقتصاد الإسرائيلي أثناء الحرب.
والمؤكد أيضاً أن غياب الشفافية يجعل من الصعب على المواطن العربي أن يعرف أين تستثمر أمواله فعلاً.
لذلك فإن القضية لم تعد قضية إسرائيل فقط.
إنها قضية سيادة مالية وأخلاقية عربية أيضاً.
قضية تتعلق بحق الشعوب في معرفة أين تذهب أموالها، وكيف تُدار مدخراتها، وما إذا كانت استثماراتها تنسجم مع قيمها ومواقفها المعلنة.
وفي النهاية ربما يكون السؤال الأدق ليس:
هل موّل العرب جرائم الكيان الصهيوني في غزة؟
بل:
كم دولاراً عربياً مرّ عبر شبكة المال العالمية ووصل إلى اقتصاد الحرب الإسرائيلي دون أن يعلم صاحبه ذلك؟ (او ربما علم وسكت!)
هذا هو السؤال الذي لا يزال ينتظر إجابة.
