أخبار

كيف تقرر الخوارزميات أهداف الحرب الحديثة؟

كيف تقرر الخوارزميات أهداف الحرب الحديثة؟


جو 24 :

 

 كتب – زياد فرحان المجالي

في الحروب الحديثة لم يعد السؤال فقط: من يملك الصواريخ الأقوى أو الطائرات الأكثر تطورًا، بل أصبح السؤال الأهم: من يملك الخوارزمية الأذكى؟ فمع التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، بدأت طبيعة الحروب نفسها تتغير بصورة عميقة. لم تعد المعارك تُدار فقط في غرف العمليات العسكرية التقليدية، بل أصبحت تُدار أيضًا في مراكز البيانات العملاقة حيث تعمل الخوارزميات على تحليل ملايين المعلومات في ثوانٍ معدودة.

هذا التحول التكنولوجي فتح الباب أمام ما يمكن تسميته اليوم بـ “حروب الخوارزميات”؛ وهي حروب تتحول فيها البيانات إلى سلاح استراتيجي، وتصبح القدرة على تحليلها بسرعة ودقة عنصرًا حاسمًا في تحديد مسار المعارك. فالجيوش الحديثة لم تعد تعتمد فقط على القوة العسكرية التقليدية، بل باتت تعتمد بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي في فهم ميدان المعركة واتخاذ القرارات.

في هذا السياق، كشفت تقارير إعلامية حديثة عن استخدام أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة في العمليات العسكرية الأمريكية، ومن بينها النظام المعروف باسم كلود. هذا النظام، الذي طورته شركة أنثروبيك في سان فرانسيسكو، لا يعمل كسلاح تقليدي أو طائرة مسيّرة، بل بوصفه عقلًا رقميًا قادرًا على قراءة البيانات وتحليلها واستخلاص الأنماط الخفية داخلها.

ويعمل كلود ضمن منظومة أوسع تعرف باسم نظام مايفن، وهو مشروع عسكري يعتمد على دمج الذكاء الاصطناعي بمصادر المعلومات العسكرية المختلفة. وتقوم فكرة هذا النظام على ثلاثة عناصر رئيسية: أولها جمع البيانات من مصادر متعددة مثل الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة وأجهزة الاستطلاع. أما العنصر الثاني فيتمثل في مرحلة التحليل الذكي، حيث يقوم الذكاء الاصطناعي بفرز المعلومات واكتشاف الأنماط العسكرية وتحديد الأهداف المحتملة. أما العنصر الثالث فيعتمد على بنية الحوسبة السحابية الضخمة التي توفر القدرة على معالجة كميات هائلة من البيانات في وقت قصير جدًا.

هذه القدرة على معالجة المعلومات تمنح الجيوش الحديثة ميزة استراتيجية كبيرة. ففي الحروب التقليدية كان تحديد الأهداف عملية طويلة ومعقدة تتطلب مشاركة آلاف المحللين العسكريين والاستخباراتيين. أما اليوم، فقد أصبح بإمكان نظام ذكاء اصطناعي واحد أن ينجز هذه المهمة خلال ساعات قليلة.

وتشير بعض الدراسات العسكرية إلى أن تجربة محاكاة لعملية غزو العراق عام 2003 أظهرت أن استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي يمكن أن يقلص عدد المحللين المطلوبين لتحديد الأهداف من آلاف الأشخاص إلى عشرات فقط، مع الحفاظ على مستوى عالٍ من الدقة في اختيار الأهداف. هذه النتيجة تعكس التحول الكبير الذي يشهده المجال العسكري.

فالخوارزميات اليوم قادرة على تحليل الصور الفضائية والبيانات الإلكترونية ومعلومات الاتصالات في الوقت نفسه، ثم تقديم قائمة بالأهداف مصنفة حسب الأولوية العسكرية. وفي بعض التقارير الإعلامية ذُكر أن هذه الأنظمة استطاعت إعداد قائمة تضم نحو ألف هدف خلال الساعات الأربع والعشرين الأولى من العمليات العسكرية.

وتشمل هذه الأهداف عادة مواقع عسكرية حساسة مثل قواعد الصواريخ الباليستية ومنظومات الدفاع الجوي ومراكز القيادة العسكرية. لكن دور الذكاء الاصطناعي لا يتوقف عند تحديد الأهداف فقط، بل يمتد أيضًا إلى اقتراح نوع الذخيرة المناسبة لكل هدف وتحديد الإحداثيات الدقيقة باستخدام أنظمة الملاحة العالمية.

بهذا المعنى، يتحول الذكاء الاصطناعي إلى عنصر مركزي في إدارة العمليات العسكرية. فهو لا يكتفي بتحليل المعلومات، بل يساهم أيضًا في تسريع عملية اتخاذ القرار داخل غرف العمليات العسكرية.

وقد ظهر تأثير هذه التقنيات بصورة واضحة في عدد من الصراعات الحديثة، حيث أصبحت الطائرات المسيّرة والأنظمة الرقمية مرتبطة بشكل متزايد بأنظمة تحليل البيانات التي تساعد في تحديد الأهداف. هذا التداخل بين التكنولوجيا العسكرية والذكاء الاصطناعي يعكس مرحلة جديدة في تطور الحروب.

لكن هذا التطور التكنولوجي يطرح في الوقت نفسه أسئلة أخلاقية وسياسية معقدة. فكلما زادت قدرة الخوارزميات على تحليل المعلومات واقتراح القرارات، زاد القلق من إمكانية انتقال جزء من قرار الحرب من الإنسان إلى الآلة.

لهذا السبب بدأت بعض الشركات المطورة لتقنيات الذكاء الاصطناعي تطالب بوضع قيود واضحة على استخدام هذه الأنظمة في العمليات العسكرية. ومن بين هذه القيود عدم استخدام الذكاء الاصطناعي في تشغيل أسلحة ذاتية القرار لا تخضع لإشراف بشري مباشر، إضافة إلى منع استخدام هذه الأنظمة في مراقبة المواطنين داخل الولايات المتحدة.

غير أن الحكومات، خصوصًا في الدول الكبرى، تنظر إلى هذه التقنيات من زاوية مختلفة. فالتنافس العسكري بين القوى الدولية يدفع نحو توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الدفاعي، لأن التفوق في تحليل المعلومات قد يصبح عاملًا حاسمًا في الحروب المستقبلية.

وفي هذا السياق يرى عدد متزايد من الخبراء العسكريين أن الذكاء الاصطناعي قد يغير قواعد الحرب بنفس الطريقة التي غيرت بها الطائرات أو الأسلحة النووية شكل الصراعات في القرن العشرين.

ففي الماضي كانت القوة العسكرية تقاس بحجم الجيوش وعدد الأسلحة الثقيلة. أما اليوم، فقد تصبح القدرة على تحليل البيانات واتخاذ القرار بسرعة هي العامل الأكثر تأثيرًا في مسار المعارك.

هذا التحول يعني أن ميدان الحرب لم يعد يقتصر على الأرض والبحر والجو، بل امتد أيضًا إلى الفضاء الرقمي حيث تتنافس الخوارزميات على فهم المعلومات قبل الخصم.

ومع استمرار التطور التكنولوجي، قد تصبح الحروب المستقبلية أقل اعتمادًا على الجنود في الخطوط الأمامية وأكثر اعتمادًا على الأنظمة الذكية التي تعمل خلف الشاشات.

لكن رغم كل هذا التقدم، يبقى السؤال الأساسي مطروحًا:

هل يمكن للآلة أن تحل محل الإنسان في قرار الحرب؟

حتى الآن لا يزال القرار النهائي في العمليات العسكرية بيد البشر. غير أن الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يجعل الخط الفاصل بين دور الإنسان ودور الخوارزمية أكثر ضبابية.

ولهذا يرى بعض المحللين أن التحدي الأكبر في حروب المستقبل لن يكون فقط في تطوير التقنيات العسكرية، بل في وضع قواعد أخلاقية وقانونية تحدد حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب.

فالتكنولوجيا قد تمنح الجيوش تفوقًا هائلًا، لكنها في الوقت نفسه تفتح بابًا لأسئلة عميقة حول طبيعة الحروب القادمة. وربما لهذا السبب يرى بعض الخبراء أن المعارك القادمة لن تُحسم فقط في ساحات القتال، بل في مراكز البيانات حيث تعمل الخوارزميات بصمت.

فالجندي الذي كان يحمل البندقية في حروب القرن الماضي، قد يستبدله في حروب القرن القادم مهندس يكتب سطرًا من الشيفرة يحدد مصير معركة كاملة.



Source link

السابق
ماذا نعرف عن القادة الإيرانيين العشرة الذين تلاحقهم أمريكا؟
التالي
قرار عبور الشاحنات الأردنية داخل سوريا أثار غضب أصحاب الشاحنات السوريين