كتب – زياد فرحان المجالي
لا تبدأ الانقسامات داخل الإدارات الأميركية دائمًا باستقالة مدوية أو مواجهة علنية بين الرئيس ونائبه. أحيانًا تبدأ برسالة سرية يرسلها خصم خارجي إلى الرجل الثاني، معتقدًا أنه أكثر واقعية من بقية صناع القرار، أو أقل اندفاعًا نحو الحرب. ومن هذه الزاوية، تتجاوز أهمية الرواية المتعلقة باتصال إيراني خاص بنائب الرئيس الأميركي جي دي فانس سؤال وصول الرسالة من عدمه، لتفتح سؤالًا أشد حساسية: هل تحاول طهران صناعة قناة تفاوضية داخل البيت الأبيض، أم أنها قد تدفع دون قصد نحو توتر بين دونالد ترامب ونائبه؟
وبحسب تحقيق نشره موقع «دروب سايت نيوز»، قال مسؤول إيراني رفيع، لم يُكشف عن اسمه، إن مفاوضين إيرانيين نقلوا عبر وسيط رسالة خاصة إلى فانس خلال محادثات بحيرة لوسيرن في سويسرا، حذروا فيها من أن استمرار ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في الفريق الأميركي قد يقوض فرص تحويل تفاهم السابع عشر من حزيران/يونيو إلى اتفاق دائم. وزعم المصدر أن طهران اتهمت الرجلين باستغلال معلومات المفاوضات ماليًا وتسريب بعض تفاصيلها إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو. لكن الموقع لم يتمكن من التحقق بصورة مستقلة من وصول الرسالة، فيما نفت إدارة ترامب الرواية والاتهامات المرتبطة بها. لذلك تظل القصة ادعاءً سياسيًا خطيرًا، لا واقعة مثبتة أو إدانة مكتملة.
غير أن اختيار فانس لم يكن، وفق المنطق الإيراني، اعتباطيًا. فنائب الرئيس لم يكن مراقبًا بعيدًا عن المسار، بل شارك فعليًا في المفاوضات التي عقدت في سويسرا في حزيران/يونيو 2026، وقاد إلى جانب مسؤولين أميركيين لقاءات ضمت إيران ووسيطين من باكستان وقطر. كما أعلن بعد المحادثات أنها أرست «أساسًا جيدًا» لاتفاق نهائي، في وقت كان فيه ترامب يتابع من واشنطن ويحتفظ لنفسه بالقرار الأخير بشأن الحرب والتسوية.
هنا تحديدًا يمكن فهم الرهان الإيراني. فطهران لا ترى في فانس معارضًا لترامب، ولا رجلًا مستعدًا لمنح إيران ما تريده، خصوصًا أنه كرر علنًا موقف الإدارة الرافض لامتلاكها سلاحًا نوويًا. لكنها قد تراه أكثر اهتمامًا بتحويل القوة العسكرية إلى نتيجة سياسية قابلة للاستمرار، وأقل ميلًا إلى إبقاء الولايات المتحدة داخل حرب مفتوحة لا يمكن ضبط كلفتها أو نهايتها.
والفارق بين فانس وترامب ليس بالضرورة خلافًا على الهدف، بل على الإيقاع والأسلوب. ففانس يستطيع الدفاع عن الضغط العسكري، ثم الانتقال إلى التفاوض بوصفه وسيلة لتثبيت النتائج. أما ترامب فيجمع عادة بين التهديد والتفاوض، ويحرص على إبقاء الخصم أمام احتمالين متناقضين: الاتفاق السريع أو العودة المفاجئة إلى القوة. وقد ظهر هذا التباين خلال محادثات سويسرا، حين كان فانس يفاوض الإيرانيين بينما كان ترامب يوجه تهديدات علنية ويطالب طهران بإظهار الاحترام.
لكن تحويل فانس إلى قناة إيرانية مفضلة يحمل خطرًا عليه. فترامب يقبل بوجود مفاوض قوي ما دام يعمل بتكليف منه، لكنه قد يتحسس من أي رواية تقدم نائبه بوصفه الوجه الأكثر عقلانية أو الرجل القادر على إنقاذ اتفاق يعطله الآخرون. وفي نظام رئاسي شديد المركزية، لا يحتاج الرئيس إلى إقالة نائبه حتى يعاقبه سياسيًا؛ يستطيع سحب الملف منه، وتقليص حضوره في الاجتماعات، وإعادة المهمة إلى مبعوثيه أو إلى وزير الخارجية.
وهنا يصبح الاتصال الإيراني، إن صح، سلاحًا ذا حدين. فهو قد يمنح فانس فرصة للحصول على تقييمات مباشرة لا تمر عبر ويتكوف وكوشنر، لكنه قد يمنح خصومه داخل الإدارة ذريعة لاتهامه بأنه تحول إلى مركز اتصال مستقل. وقد تكون طهران نفسها مدركة لهذا الخطر، ولذلك تقدم فانس في روايتها باعتباره ممثلًا للمصالح الأميركية طويلة الأمد، مقابل شخصيات تتهمها بالخلط بين الدبلوماسية والمصالح الخاصة.
ولا يمكن فصل هذه المعركة عن إسرائيل. فقد أظهرت تقارير سابقة أن نتنياهو كان شديد القلق من احتمال توصل ترامب إلى تسوية مع إيران قبل تحقيق جميع الأهداف الإسرائيلية، وأنه طلب توضيحات من البيت الأبيض بشأن اتصالات أميركية إيرانية غير معلنة. كما كان ويتكوف وكوشنر جزءًا مركزيًا من القناة التي أدارت التفاوض والتنسيق مع الأطراف الإقليمية. لكن وجود اتصالات مع إسرائيل لا يثبت بذاته وقوع تسريب غير قانوني أو استغلال للمعلومات؛ فهذا الاتهام يحتاج إلى أدلة مالية وقضائية مستقلة لم يعرضها التقرير المنشور.
وفي المقابل، يمتلك فانس وزنًا تفاوضيًا حقيقيًا؛ فقد شارك في التوقيع على التفاهمات الأميركية الإيرانية، وقاد جانبًا من مفاوضات سويسرا، وظهر رسميًا باعتباره أحد وجوه المسار الدبلوماسي، لا مجرد نائب يتابع الملف من بعيد. وهذا ما يجعل مخاطبته من جانب إيران مفهومة سياسيًا، لكنه لا يجعله صاحب القرار النهائي.
في النهاية، قد تكون الرسالة قد وصلت إلى جي دي فانس، وقد تكون بقيت في الطريق، أو استُخدمت ضمن حرب الروايات بين طهران وواشنطن. لكن الأخطر من الرسالة نفسها هو ما تقترحه: إيران لم تعد تفاوض سياسة أميركية واحدة، بل تحاول قراءة الأشخاص المحيطين بترامب، واختيار من تعتقد أنه أكثر استعدادًا للتسوية.
فإذا سمح ترامب لفانس بتوسيع القناة، فقد يصبح نائب الرئيس مهندس الاتفاق الذي يمنح رئيسه مخرجًا من الحرب. أما إذا شعر بأن طهران تقدم فانس بديلًا عنه أو مركزًا موازيًا للقرار، فقد ينقلب عليه سياسيًا ويسحب الملف من يديه. وعندها تكون الرسالة التي أرادتها إيران جسرًا إلى البيت الأبيض قد تحولت إلى شرارة صراع داخله.
