جو24- كتب حلمي الأسمر –
لم تعد الإسلاموفوبيا في عصر الذكاء الاصطناعي مجرد خطاب يقال في البرلمان أو منشور يكتب على منصة اجتماعية أو صورة يعبث بها صاحبها ببرنامج للرسم والتعديل. ثمة شيء جديد يحدث الآن: التحيز القديم بدأ يجد طريقه إلى الآلة نفسها، والآلة باتت قادرة على إعادة إنتاجه في ثوانٍ، وعلى نطاق لا يمكن مقارنته بقدرة فرد أو جماعة أو صحيفة.
القصة التي فجرتها صحيفة «الغارديان» في الأول من أكتوبر ليست، في ظاهرها، سوى اختبار بسيط لعدد من روبوتات الذكاء الاصطناعي: ماذا يحدث إذا طلبت منها إزالة الحجاب عن صورة امرأة مسلمة؟ لكن الإجابة تكشف مشكلة أكبر بكثير من الحجاب. فقد وجدت الصحيفة أن «تشات جي بي تي» و«غروك» استجابا للطلب، بينما رفض «كلود» الفكرة من أساسها، وقال إن إزالة الحجاب من صورة امرأة حقيقية تغيّر طريقة تمثيلها على نحو مرتبط بلباسها وهويتها الدينية، ويمكن أن تستخدم لإحراجها أو مضايقتها أو تشويه صورتها. أما «جيميني» فبدأ بالرفض، ثم أنتج صورة للمرأة بلا حجاب عندما أعيدت صياغة الطلب باعتبار المطلوب جعلها تبدو «أكثر غربية».
وهنا ينبغي أن نتوقف قليلاً. هل يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي أصبح إسلاموفوبياً؟ ليس بهذه البساطة. الآلة لا تملك عقيدة ولا كراهية ولا موقفاً دينياً بالمعنى الإنساني. لكن السؤال الأكثر خطورة هو: ماذا يحدث عندما تدخل الصور النمطية والتحيزات الموجودة في المجتمع إلى البيانات والنماذج وقواعد السلامة، ثم تخرج من الآلة في صورة جديدة تبدو محايدة لأنها صادرة عن «تقنية»؟
إننا أمام انتقال خطير من التحيز البشري إلى التحيز المؤتمت.
ولعل المفارقة الأكثر دلالة أن هذه الاختبارات جاءت بعد واقعة فرنسية أثارت جدلاً واسعاً: النائب عن حزب التجمع الوطني جوليان أودول نشر صورة معدلة لامرأة محجبة، ظهرت فيها بلا حجاب وبملابس مختلفة، مرفقاً الصورة بعبارة «الحرية الفرنسية». ولم يتضح بشكل مستقل ما إذا كان قد استخدم أداة ذكاء اصطناعي بعينها أو أجرى التعديل بنفسه، لكن الواقعة أظهرت كيف يمكن للصورة الرقمية أن تتحول إلى أداة سياسية لإعادة تعريف جسد امرأة وهويتها من دون موافقتها.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقاً: من يملك صورة المرأة المسلمة؟
إذا كان الإنسان يستطيع أن يلتقط صورة امرأة في الشارع، ثم ينزع حجابها رقمياً، ويعيد تقديمها إلى الجمهور باعتبارها «أكثر فرنسية» أو «أكثر غربية»، فنحن لا نتحدث عن تعديل صورة فحسب، وإنما عن محاولة فرض صورة بديلة للإنسان. وحين تستطيع الآلة أن تنفذ العملية نفسها بمجرد أمر قصير، فإن المشكلة تنتقل من القدرة الفردية المحدودة إلى قابلية صناعية للتكرار والتعميم.
الأخطر أن المسألة لا تتوقف عند الحجاب. فقد أظهرت اختبارات «الغارديان» اختلافاً في تعامل الأنظمة مع رموز دينية أخرى، بينها العمامة السيخية وغطاء رأس الراهبات الكاثوليكيات. وهذا يعني أن القضية الأوسع هي: كيف تتعامل الخوارزميات مع العلامات التي تحمل هوية دينية وثقافية؟
وفي الهند، ظهرت صورة أكثر ظلاماً للمشكلة. فقد وثقت «الجزيرة» حالات استخدمت فيها أدوات الذكاء الاصطناعي لصناعة صور ومقاطع مفبركة تستهدف نساء مسلمات، بعضها ذو طابع جنسي وبعضها دعائي، بحيث تبدو المادة المفبركة واقعية إلى درجة تجعل الضحية عاجزة عن إقناع الآخرين بأنها لم تحدث. وفي إحدى الحالات، جرى تركيب قصة حياة كاملة لامرأة مسلمة باستخدام صور حقيقية وصوت مولد بالذكاء الاصطناعي، مع اتهامات كاذبة ذات طابع جنسي.
هنا نصل إلى جوهر المسألة: الإسلاموفوبيا القديمة كانت تحتاج إلى إعلام ومؤسسة وحزب ومنبر. أما الإسلاموفوبيا الخوارزمية فقد تحتاج فقط إلى شخص، وصورة، وأمر قصير.
وهذا فارق تاريخي هائل.
فالآلة تستطيع أن تنتج آلاف الصور، وتغير الوجوه والملابس والأجساد، وتخلق مشاهد لم تقع، وتضع كلمات في أفواه أشخاص لم يقولوها، وتعيد تركيب حياة كاملة لإنسان لم يفعل شيئاً. ومع انتشار هذه الأدوات، يصبح الفرق بين الحقيقة والكذبة أقل وضوحاً بالنسبة إلى الجمهور.
لكن المشكلة ليست في «الآلة الشريرة». المشكلة في البشر الذين يدخلون إلى الآلة محمولين بكل ما في مجتمعاتهم من صراعات وانحيازات وصور نمطية، وفي الشركات التي تضع قواعد ما يجوز للآلة فعله وما لا يجوز، وفي الأسواق التي تكافئ المحتوى الأكثر إثارة وانتشاراً، وفي غياب قواعد موحدة تحمي الإنسان من التشويه الخوارزمي.
ومن هنا فإن المعركة المقبلة على الإسلاموفوبيا لن تكون فقط في المدارس والجامعات والإعلام والبرلمانات والمحاكم. ستدور أيضاً داخل مختبرات الذكاء الاصطناعي.
وسيتعين علينا أن نسأل شركات التقنية سؤالاً لم يكن مطروحاً بهذه الحدة من قبل: هل تكفي حرية المستخدم عندما تتحول الحرية إلى أداة لإعادة اختراع هوية شخص آخر؟
فحرية التعبير لا تعني بالضرورة حرية اختراع إنسان آخر.
والأمر أخطر بالنسبة إلى المسلمين لأن الحجاب واللحية والمسجد والقرآن وسائر العلامات الدينية ليست مجرد تفاصيل بصرية يمكن للآلة أن تمحوها ثم تعيدها متى شاء المستخدم. إنها بالنسبة إلى ملايين البشر علامات هوية وانتماء وممارسة دينية.
لذلك فإن ما جرى مع الحجاب قد يكون مجرد أول إنذار في قصة أطول.
نحن ندخل عصراً يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي أن يفعل ما كان خطاب الكراهية يفعله بالكلمات، وما كانت الدعاية تفعله بالصور، لكن بسرعة أكبر، وكلفة أقل، وقدرة هائلة على التكرار.
السؤال الأخطر هو:
هل نجح البشر في نقل الإسلاموفوبيا إلى الآلة، ثم منحوا الآلة قدرة لم تكن متاحة لهم من قبل؟
إذا كانت الإجابة تقترب من «نعم»، فإننا لا نواجه مجرد مشكلة تقنية، وإنما نواجه مرحلة جديدة من الصراع على الإنسان وصورته وهويته وحقه في أن يعرّف نفسه بنفسه.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية للذكاء الاصطناعي: ليس عندما يصبح أكثر ذكاءً من الإنسان، بل عندما يبدأ في إعادة إنتاج أخطائه وانحيازاته على نطاق أكبر من قدرة الإنسان نفسه.
