أخبار

هل تكسر الأقمار الصناعية الصينية الرخيصة التفوق العسكري الإسرائيلي… أم تنقل الصراع إلى الفضاء؟

هل تكسر الأقمار الصناعية الصينية الرخيصة التفوق العسكري الإسرائيلي… أم تنقل الصراع إلى الفضاء؟


كتب : زياد فرحان المجالي – عمّان

لم يعد التفوق العسكري يُقاس بعدد الطائرات والدبابات والصواريخ وحدها، بل بقدرة الدولة على رؤية ساحة المعركة قبل خصومها، وتحليل ما يجري فيها، وتحويل المعلومات إلى قرار عملياتي سريع. ومن هذه الزاوية، تثير الثورة الصينية في صناعة الأقمار الصناعية الصغيرة والمنخفضة الكلفة سؤالًا يتجاوز حدود المنافسة التكنولوجية: هل تستطيع هذه الأقمار تقليص التفوق الاستخباري الذي تمتعت به إسرائيل طويلًا، وفتح المجال أمام إيران وحلفائها للحصول على قدرات فضائية كانت حكرًا على القوى الكبرى؟

بنت إسرائيل جزءًا أساسيًا من قوتها العسكرية على امتلاك منظومة متقدمة للرصد والاستطلاع، سمحت لها بمتابعة التحركات العسكرية في المنطقة، وتحديد الأهداف، والاستعداد المبكر للتهديدات. لكن انخفاض كلفة تصنيع الأقمار وإطلاقها يعني أن دولًا لا تملك برامج فضائية ضخمة قد لا تعود مضطرة إلى بناء منظومات مستقلة، بل يمكنها شراء الصور والخدمات وتحليلات الرادار والملاحة من شركات أو دول تمتلك شبكات واسعة من الأقمار الصغيرة.

الخطر هنا لا يكمن في قمر صناعي واحد، بل في إقامة مجموعات كبيرة تعمل في مدارات منخفضة، وتوفر تغطية متقاربة زمنيًا. وهذا قد يقلل ما يعرف بـ«فترات العمى» التي كانت تفصل بين مرور قمر وآخر، ويجعل مراقبة التحركات العسكرية أكثر استمرارًا. فحشد القوات قرب الحدود اللبنانية أو قطاع غزة، وتحريك الطائرات بين القواعد، ونشر منظومات الدفاع الجوي، والاستعداد لعملية عسكرية واسعة، قد تصبح أنشطة أصعب في الإخفاء.

ويكتسب الأمر بعدًا أكثر حساسية عندما يتعلق بالمنشآت الاستراتيجية. فالمتابعة المتكررة لا تقدم صورة ثابتة فقط، بل تسمح بمقارنة أنماط الحركة مع مرور الوقت: متى تزداد حركة الطائرات؟ متى تُنقل الذخائر؟ وما المواقع التي تشهد ترتيبات غير معتادة؟ ومع دمج هذه الصور بالذكاء الاصطناعي، يمكن اكتشاف التغيرات بسرعة أكبر، وتحويل بيانات تجارية متاحة إلى مؤشرات استخبارية ذات قيمة عسكرية.

لكن التأثير الأخطر قد يظهر في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة. فإيران وحلفاؤها لا يحتاجون إلى القمر الصناعي لإطلاق الصاروخ، لكنهم قد يستفيدون منه في تحديث معلومات الهدف، وتحسين الملاحة، وتقييم نتائج الضربة، وإعادة التخطيط للهجمات اللاحقة. وإذا ارتبطت البيانات الفضائية بمنظومات تحديد مواقع واتصالات أكثر دقة، فإن البنى التحتية الإسرائيلية، مثل الموانئ والقواعد الجوية ومحطات الطاقة ومنشآت الغاز، قد تواجه تهديدًا أكثر تعقيدًا.

كما أن انتشار شبكات فضائية متعددة يمكن أن يضعف بعض أدوات التشويش الإلكتروني التقليدية. فقد اعتمدت إسرائيل في مواجهات سابقة على التشويش على إشارات الملاحة لإرباك الطائرات المسيّرة والصواريخ. غير أن انتقال الخصوم إلى إشارات بديلة، أو استخدام أكثر من منظومة ملاحة في الوقت نفسه، قد يجعل عملية التشويش أكثر صعوبة، ويفرض تطوير وسائل إلكترونية جديدة تستهدف نطاقًا أوسع من الترددات والاتصالات.

ومع ذلك، فإن امتلاك الصورة لا يساوي امتلاك القدرة على استثمارها. فالبيانات الفضائية تحتاج إلى محطات استقبال، ومراكز تحليل، وخبراء قادرين على التمييز بين النشاط الاعتيادي والتحضير العسكري، إضافة إلى منظومة قيادة وسيطرة تستطيع نقل المعلومة إلى الوحدة الميدانية في الوقت المناسب. ومن دون هذه الحلقة المتكاملة، قد تتحول آلاف الصور إلى أرشيف ضخم أكثر منها أداة قتالية مؤثرة.

المشكلة الإسرائيلية لا تتوقف عند احتمال بيع الصين أقمارًا أو خدمات مباشرة لإيران، بل تشمل أيضًا تسرب البيانات عبر الشركات المدنية أو الوسطاء التجاريين. فقد تصل المعلومات إلى أطراف معادية من خلال عمليات شراء غير مباشرة، أو شركات واجهة، أو اختراقات إلكترونية، من دون أن تعلن بكين رسميًا أنها تقدم دعمًا عسكريًا لطهران. وهذا يمنح الصين مساحة للمناورة بين علاقاتها الاقتصادية مع إسرائيل وشراكتها الاستراتيجية مع إيران.

في المقابل، تعمل إسرائيل على مواجهة التحدي بمنطق مشابه؛ أي الانتقال من الاعتماد على عدد محدود من الأقمار الكبيرة والمكلفة إلى مجموعات من الأقمار الصغيرة التي تستطيع تعويض بعضها بعضًا. كما تستثمر في الأمن السيبراني الفضائي، ووسائل الملاحة غير المعتمدة بالكامل على الأقمار، وأنظمة المطابقة البصرية والتضاريسية، إلى جانب توسيع الدفاعات القادرة على مواجهة أعداد كبيرة من المسيّرات والذخائر الدقيقة. ويأتي تطوير منظومات الاعتراض بالليزر ضمن محاولة خفض كلفة مواجهة هجمات قد تصبح أكثر كثافة ودقة. 

جيوسياسيًا، يكشف هذا التحول أن الصين لا تنافس الولايات المتحدة في التجارة والصناعة فقط، بل تعمل على تفكيك الاحتكار الغربي للفضاء. فحين تصبح خدمات التصوير والملاحة والرادار أقل كلفة وأكثر انتشارًا، تتراجع الفجوة بين الدول التي تمتلك برامج فضائية سيادية وتلك التي تستطيع شراء قدرات جاهزة من السوق.

وهنا قد لا تخسر إسرائيل تفوقها دفعة واحدة، لكنها ستفقد جزءًا من المساحة الآمنة التي كانت تتحرك داخلها. فالتفوق الحقيقي لم يكن في القدرة على الرؤية فقط، بل في كون الخصم لا يرى بالدرجة نفسها. وعندما تصبح السماء مزدحمة بأقمار صغيرة تراقب وتصور وتنقل البيانات، فإن عنصر المفاجأة يتآكل، وتزداد كلفة الخداع والتمويه والتحضير السري.

في النهاية، لا تعني الأقمار الصينية الرخيصة أن التفوق العسكري الإسرائيلي انتهى، لكنها تشير إلى أن قواعده بدأت تتغير. فالحرب المقبلة قد لا تبدأ بإطلاق صاروخ، بل بصورة فضائية تكشف تحركًا غير مألوف، وخوارزمية تفسره، وشبكة تنقل المعلومة إلى منصة إطلاق خلال دقائق.

وعندها لن يكون السؤال: من يملك السلاح الأقوى فقط؟ بل من يرى أولًا، ومن يحلل أسرع، ومن يستطيع العمل في ساحة باتت فيها السماء نفسها جزءًا من المعركة.



Source link

السابق
حين يصبح التقاعد المبكر أداةً للعقاب!!