كتب زياد فرحان المجالي –
لم تعد المواجهة مع إيران تُدار من جبهة واحدة، ولا يمكن قراءتها فقط من خلال الصواريخ والطائرات والمنشآت النووية. ما يتشكل في الإقليم اليوم يبدو أقرب إلى طوق استراتيجي متعدد الحلقات؛ تضييق مالي في دبي وهونغ كونغ، ضغط سياسي على موسكو، مراقبة دقيقة للدور الصيني، إعادة حسابات في البحر المتوسط، وقلق متزايد من سباق المنشآت النووية نحو أعماق الجبال.
المشهد لا يعني بالضرورة وجود «غرفة عمليات واحدة» تدير كل هذه الملفات، لكنه يكشف عن اتجاه أميركي-إسرائيلي واضح: تقليص هوامش الحركة الإيرانية، وفي الوقت نفسه منع ظهور مراكز قوة إقليمية جديدة تستطيع كسر الاحتكار العسكري والتكنولوجي الغربي.
من هنا تكتسب زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف إلى موسكو أهميتها. فالزيارة، التي بقيت أهدافها التفصيلية خارج الإعلان الرسمي، يمكن قراءتها في سياق يتجاوز الملف الروسي-الأوكراني. واشنطن تحتاج إلى معرفة حدود العلاقة الروسية-الإيرانية: هل هي شراكة استراتيجية مفتوحة، أم علاقة مصالح يمكن تفكيك بعض حلقاتها إذا تغيرت الكلفة؟
المعادلة بسيطة: إيران مهمة لموسكو سياسيًا وعسكريًا، لكن روسيا دولة كبرى تحسب مصالحها على مساحة أوسع بكثير. وإذا استطاعت واشنطن أن تجعل دعم طهران أكثر كلفة، فإن السؤال يصبح: إلى أي مدى سيذهب الكرملين دفاعًا عن إيران إذا تعارض ذلك مع مصالح روسية أكبر؟
الأمر نفسه ينطبق على الصين، ولكن بصورة مختلفة. بكين لن تتخلى بسهولة عن النفط الإيراني أو عن موقع إيران في مشروعها الاقتصادي والجيوسياسي، لكنها في المقابل لا ترغب في تحويل أكبر بنوكها وشركاتها إلى رهائن في مواجهة مباشرة مع النظام المالي الأميركي. ولهذا لا تسأل واشنطن إن كانت الصين ستشتري النفط الإيراني، بل: هل ستدفع بكين ثمن حماية الشبكة المالية الإيرانية كلها؟
وهنا نصل إلى دبي.
التحرك الأميركي الأخير ضد شبكات مالية مرتبطة بإيران يكشف انتقال العقوبات من ملاحقة أفراد وشركات منفردة إلى محاولة ضرب البنية التحتية لاقتصاد الظل الإيراني: شركات واجهة، وسطاء، تحويلات، تجارة ذهب، عملات رقمية وقنوات مصرفية في دول ثالثة.
إنها محاولة لجعل التعامل مع إيران أكثر كلفة من الأرباح التي يحققها.
وبذلك تتحول مراكز مالية مثل دبي وهونغ كونغ إلى ساحات مواجهة غير عسكرية؛ فالمصرف أو الشركة لا يُطلب منهما الاختيار بين واشنطن وطهران سياسيًا، بل بين السوق الإيرانية وإمكانية الوصول إلى الدولار والنظام المالي العالمي.
لكن الطوق لا يُبنى حول إيران وحدها.
في قاع البحر المتوسط تظهر مصر وهي تفاوض على خيارات بحرية جديدة، من بينها الغواصة الصينية Type 039A «يوان». أهمية المسألة ليست في عدد الغواصات فقط، بل في احتمال دخول الصين إلى منطقة ظلت التكنولوجيا البحرية الغربية فيها شبه مهيمنة.
إذا تطورت المفاوضات إلى نقل للتكنولوجيا أو توطين للصيانة والصناعة، فإن المسألة تصبح أكبر من صفقة سلاح: إنها خطوة مصرية باتجاه امتلاك هامش قرار عسكري مستقل وتقليل الارتهان لمصدر واحد.
وهنا تبدأ الحساسية الإسرائيلية والأميركية؛ فالمشكلة ليست أن مصر أصبحت خصمًا، بل أن الفجوة التكنولوجية التي بنت عليها إسرائيل جزءًا من تفوقها النوعي قد تصبح أصعب في المحافظة عليها مع دخول منصات صينية وآسيوية متقدمة إلى الإقليم.
أما في سوريا، فإن العثور على كميات من اليورانيوم الطبيعي ووضعها تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية يفتح سؤالًا مختلفًا. المادة ليست سلاحًا نوويًا، لكنها تعيد الملف النووي السوري إلى الطاولة بعد سنوات من قصف منشأة دير الزور عام 2007 وإغلاق الملف سياسيًا وعسكريًا.
وفي إيران نفسها، يجري السباق الأخطر تحت الأرض.
كلما أصبحت القنابل التقليدية أكثر قدرة على الاختراق، هربت المنشآت الحساسة إلى أعماق أكبر. ومع منشآت مثل فوردو يعود السؤال الذي لا ترغب القوى النووية في طرحه علنًا: ماذا يحدث عندما تصل القنبلة التقليدية إلى آخر متر تستطيع اختراقه، بينما تستمر المنشأة في النزول؟
هنا لا يصبح السلاح النووي التكتيكي خيارًا حتميًا، لكنه يعود إلى طاولة الحسابات العسكرية بوصفه الاحتمال الذي يفترض المخططون وجوده حتى لو أراد السياسيون تجنب استخدامه.
وهذه هي الصورة الأكبر.
من موسكو إلى دبي، ومن بكين إلى دمشق، وصولًا إلى قاع المتوسط وأعماق الجبال الإيرانية، يجري تضييق المساحات المفتوحة أمام طهران، لكن بالتوازي يجري أيضًا رصد أي قوة إقليمية تحاول امتلاك استقلال مالي أو عسكري أو تكنولوجي أكبر.
لذلك قد لا يكون السؤال: هل يجري حصار إيران؟
بل: هل بدأت واشنطن بناء طوق أكبر، هدفه إيران أولًا، ومنع إعادة تشكيل ميزان القوة في الشرق الأوسط ثانيًا؟
