أخبار

من أقمار التجسس إلى الضربة المدارية… إسرائيل تفتح جبهة الحرب في الفضاء


كتب : زياد فرحان المجالي – خاص لـ JO24

 

كيف تنتقل تل أبيب من استخدام الفضاء لمراقبة الحروب إلى مشروع استخدامه في شنّها… وما الذي يعنيه ذلك لموازين الردع في الشرق الأوسط؟

لم يعد الخبر أن إسرائيل تستخدم الفضاء في الحرب؛ فهذا قائم منذ سنوات عبر أقمار الاستطلاع والتجسس والاتصالات. الخبر الحقيقي هو أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بدأت تتحدث علنًا عن الانتقال من «الفضاء الذي يرى الحرب» إلى «الفضاء الذي يشارك في شنّها».

هذا التحول ظهر بوضوح في الخطط الإسرائيلية الجديدة لتوسيع الاستخدام العسكري للفضاء، ليس فقط عبر أقمار الاستطلاع المتقدمة وقدرات التصوير الراداري والكهربصري، بل عبر بناء قدرات هجومية مستقبلية تشمل التشويش على الأصول الفضائية المعادية، وتعطيلها أو اعتراضها، وصولًا إلى التفكير في قدرات حركية يمكن أن تنطلق من المدار ضد أهداف أرضية.

وهنا تكمن النقلة الاستراتيجية.

طوال عقود، كان الفضاء بالنسبة لإسرائيل امتدادًا للاستخبارات: يرى، ويصوّر، ويحدد الإحداثيات، ويغذي سلاح الجو ببنك أهداف. أما الاتجاه الجديد فيتعامل معه بوصفه مسرح عمليات قائمًا بذاته، يمكن استخدامه للإنذار والقيادة والسيطرة، ولإرباك الخصم، وربما للهجوم المباشر في مرحلة لاحقة.

الدافع لا يتعلق بالتكنولوجيا وحدها. فقد أكدت الحروب والعمليات العسكرية الحديثة أن من يملك القدرة على الرصد اللحظي، والربط بين الأقمار الصناعية والطائرات والمسيّرات والمنظومات الصاروخية، يحصل على أفضلية كبيرة في سرعة اكتشاف الهدف واتخاذ قرار ضربه.

لذلك تسعى إسرائيل إلى توسيع الفجوة التكنولوجية مع خصومها، بحيث لا يبقى تفوقها مقتصرًا على الجو، بل يمتد إلى ما فوقه، ويصبح الفضاء جزءًا متكاملًا من سلسلة الرصد والقرار والضرب.

هذا التحول يحمل أثرًا مباشرًا على موازين الردع في الشرق الأوسط.

فالدول التي تستثمر في منظومات الدفاع الجوي المتطورة والطائرات الشبحية والصواريخ بعيدة المدى قد تجد نفسها أمام مستوى جديد من التهديد لا تلغيه وسائل الدفاع التقليدية، بل يجبرها على تطوير منظومات إنذار واعتراض وحماية فضائية وسيبرانية أكثر تعقيدًا.

فالتهديد القادم من الفضاء لا يجعل الدفاع مستحيلًا، لكنه يغيّر هندسة الإنذار ومسارات الاعتراض، ويقلص بعض مزايا العمق الجغرافي التي اعتمدت عليها الجيوش لعقود.

ويأتي ذلك في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، مع صعود ترتيبات دفاعية جديدة بين قوى إقليمية، واتساع البحث عن مظلات أمنية تتجاوز التحالفات التقليدية.

وبالنسبة إلى إسرائيل، فإن ظهور تكتلات تمتلك خبرات صاروخية وقدرات جوية متقدمة وعمقًا استراتيجيًا واسعًا يدفعها إلى البحث عن طبقة تفوق جديدة يصعب على الآخرين موازنتها بسرعة.

لكن عسكرة الفضاء تفتح كذلك بابًا قانونيًا وسياسيًا بالغ الخطورة.

فمعاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 تحظر وضع الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل في المدار، لكنها لا تتضمن حظرًا شاملًا وصريحًا لكل الأسلحة التقليدية الفضائية. وهذه الثغرة قد تصبح مدخلًا لسباق تسلح جديد لا يقتصر على الشرق الأوسط، بل يمتد إلى القوى الكبرى.

وهناك خطر آخر لا يقل أهمية.

فأي انتقال من التشويش على الأقمار الصناعية إلى تدميرها ماديًا قد يهدد البيئة المدارية نفسها، لأن الحطام الفضائي لا يعترف بحدود الدول، وقد يصيب أقمارًا مدنية أو عسكرية لا علاقة لها بالمواجهة الأصلية.

والخطر الأكبر لا يكمن فقط في احتمال ضرب هدف أرضي من الفضاء، بل في القدرة على تعطيل الأقمار التي تعتمد عليها الدول في الاتصالات والملاحة والإنذار المبكر والاستطلاع.

وفي الحرب الحديثة، فإن شل هذه المنظومات قد يسبق الضربة العسكرية نفسها، ويصيب القيادة والسيطرة بالعمى والارتباك، ويمنح الطرف المهاجم دقائق أو ساعات حاسمة يمكن أن تغيّر نتيجة المواجهة.

لهذا لم يعد التحدي العربي مجرد شراء مقاتلة أحدث أو منظومة دفاع جوي أكثر تطورًا.

المطلوب هو النظر إلى الأمن الوطني باعتباره منظومة متكاملة تشمل الفضاء، والسيبرانية، والاتصالات، والذكاء الاصطناعي، والإنذار المبكر، مع بناء قدرات تحافظ على عمل الدولة والمنشآت الحيوية حتى في حال تعرض أنظمتها الفضائية أو الرقمية للهجوم.

إسرائيل لا تعلن اليوم أنها امتلكت سلاحًا فضائيًا حاسمًا وجاهزًا للاستخدام، لكنها تعلن الاتجاه الذي تريد الوصول إليه.

وهذا بحد ذاته مهم، لأن العقائد العسكرية تبدأ غالبًا بفكرة، ثم بميزانية، ثم ببنية تحتية، ثم تتحول في النهاية إلى قدرة عملياتية.

الشرق الأوسط، إذن، يقف أمام مرحلة جديدة: لم تعد السماء هي السقف الأعلى للحرب.

وإذا انتقلت إسرائيل فعلًا من أقمار تراقب المعركة إلى منظومات تشارك فيها، فإن ميزان الردع الإقليمي سيدخل عصرًا مختلفًا بالكامل؛ عصرًا لا تُقاس فيه القوة فقط بمن يملك الطائرة الأسرع أو الصاروخ الأبعد، بل بمن يملك العين الأعلى، والاتصال الأسرع، والقدرة على الوصول إلى خصمه من خارج المجال الذي اعتاد الدفاع عنه.



Source link

السابق
تجميد قرار احتساب 30% من علامة التوجيهي لطلبة جيل 2009 عبر المدرسة