كتب بهاء صوالحة –
رغم أن “طقّ الحنك” أو “اللقلقة” تكاد تكون إحدى أكثر المهارات العتيقة والهوايات الشائعة لدينا، وتكاد تكون من المُكسّرات وربما المُسكرات القليلة التي يستعين بها الشعب الغلبان في ممارساته اليومية لأغراض التسلية في معمعة نضاله اليومي ليبقى في غرفة إنعاش الحياة، إلا أننا فشلنا وللأسف في تطوير هذه الحرفة الفطرية، وعجزنا عن الانتقال بها من الحالة الهوائية إلى الحالة السائلة التي تنفع البلاد والعباد، وتصبح بموجبها الكلمات المبعثرة في الهواء، مصفوفة قابلة للهضم والاستقرار في العقل بدلاً من تصريفها عبر المثانة.
تاريخياً؛ كان لدى الدولة معضلة إسمها “التسويق”. والتسويق هنا يعني كيفية بيع القرارات والتوجهات والسياسات على الناس. والبيع هنا يعني كيفية إخراجها إعلامياً بشكل لائق ومقنع وقبل كل ذلك بما يحترم عقل الطرف المقابل. لا أشك على الإطلاق ببراعة “المخطط” وقدرة دولتنا العتيدة على “الإبداع” في ابتكار القوانين وبرمجة القرارات وصناعة التوجهات والسياسات وتحديداً “الفنكوشية” منها، لكن كحال منتخبات كرة القدم التي تبرع في صناعة الهجمة ولكنها تفتقد للمسة الأخيرة التي تمكّنها من تسجيل الهدف في شبكة الجمهور، ما يفقد اللعب قيمته أي كانت جماليته أو احترافيته.
في الإدارة الحكومية لا يكفي أن تلق الحكومة القرارات و المواقف وتمشي، فالمواقف لا تتخذ ولا تبنى بفتح الأقواس دون إغلاقها، ولا تُتخذ بناء على الانطباعات والكيدية بل على الوقائع وطرحها من أول السطر وحتى آخر علامة ترقيم، ضمن قالب روائي غير متعالٍ يخاطب الجمهور ويرد على الأسئلة البديهية المشروعة: ماذا وكيف وأين ولماذا ومن ومتى، وبما يلجم التأويلات ولا يزيد من اتساع فجوة الثقة القائمة أصلاً ولم تعد تحتمل تمدداً أكثر ..
الحديث لا يتعلق بسياسة الإفصاح فقط عبر نشر الأخبار المتعلقة بقرارات وتوجهات الدولة، بل يُعنى أكثر في كيفية الانتقال بالخبر من حالة الجمود في النص إلى ما هو أبعد، وصولاً إلى ما يشعر المتلقي بأن هذا القرار يمسّه، وأن منفعته هي جوهر اتخاذه، وأن المصلحة العامة هي مبتدأ القرار وخبره.
المسألة هنا لا تتوقف عند حدود “إدارة الخبر” أو بشكل أوسع وأكثر احترافية فن إدارة التواصل الحكومي، بل يمتد للتصريحات “المنفلتة” و “العك” الحكومي الذي يتسابق رجالات الحكومة ومسؤوليها لتصدّر قوائم “الترند” بفضل سلسال زلات لسانهم “المقصودة” وربما “غير المقصودة” والتي تشعل حالة الحنق والغضب المشتعلة أساسا في جوف الناس، وتخلق عراكاً مستعراً عبر وسائل “التناطح الاجتماعي” لتكون الحكومة هي أول من تصاب بشرره!
والمضحك المبكي هي محاولة تبرير تلك التصريحات والشطط الإعلامي تحت ستار “المكاشفة” و “المصارحة” و “الشفافية”. لكن المفارقة التي تغيب عن هؤلاء السادة والسيدات أيضاً، أن تلك العناوين البرّاقة باتت حكراً على القرارات والتوجهات الكارثية وبلغة أرق قليلاً السلبية التي تمس قوت الناس وحياتهم ولا تبشر بأي خير قادم، فأي ردود أفعال إيجابية تنتظر الحكومة ورجالاتها تلقّيها؟!
ليس المقصود هنا تجميل القرارات والتوجهات الحكومية بقدر ما يعني ضبط بوصلة الكلام بعيداً عن لغة الاستعلاء أو الاستفزاز، ذلك هو التعبير الأدق “الاستفزاز” .. فدور الحكومات الدستوري هي التكفّل بخلق الطمأنينة للمواطنين، و”الكلمة” هي النطفة الأولى التي تتخلّق بموجبها تلك الطمأنينة، كما يمكن أن تكون بمثابة الميكروب الذي يشوه جنينها.
اليوم، لم يعد الحديث الحكومي إلى الناس أو إلى الكاميرا، ترفاً أو مجرد مهارة زائدة تضاف إلى سيرة المسؤول الذاتية، بل بات ضرورة حتمية، وإحدى القوى الناعمة والصلبة التي تحدث الأثر، وأمام هيمنة “السوشال ميديا” سقطت حكمة:إذا كان الكلام من فضة فإن السكوت من ذهب، لأن السطر الذي تعجز الحكومة عن ملئه بحبرها سيكون مباحاً ليملأه غيرها تضليلاً وتدليساً.
فالحكومات الأردنية المتعاقبة التي شغلت الدنيا بمشروع “السردية الوطنية” عجزت وتعجز عن خلق “سرديتها” الخاصة والمقنعة، وتتشبّث دوماً بإدارة ردود الأفعال وليس صناعة الفعل نفسه وهنا تكمن المشكلة نفسها، وهنا أيضاً ينمو الشك ويترعرع منسوب انعدام الثقة والأخطر انتعاش القناعات الانطباعية السلبية المسبقة تجاه كل ما يصدر عن الحكومة قولاً أو فعلاً أو توجها، فإذا كان المتهم بريء حتى ثبث إدانته فإن الحكومات دوماً مدانة دون أن ينتظر أو يتقبّل أحد إثبات براءتها. لماذا؟ لأن الحكومة وقعت في فخ مقولة جبران: “بين منطوق لم يٌقصد، ومقصود لم يُنطق، تضيع الكثير من المحبّة”!
