أخبار

معالي وزير الصحة… لا تحاربوا كيس الشيبس وتنسوا مستقبل الأجيال!


معالي وزير الصحة… لا تحاربوا كيس الشيبس وتنسوا مستقبل الأجيال!

أ. د. هاني الضمور

جو24- هناك فرق كبير بين أن تصدر الحكومة قرارًا يبدو صحيًا، وأن تصنع سياسة تبني مجتمعًا أكثر صحة. وهناك فرق أكبر بين أن تمنع طفلًا من شراء كيس شيبس، وأن تمنحه الوعي والقدرة والبيئة التي تجعله يختار غذاءه بصورة سليمة. ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل نعالج المشكلة، أم نكتفي بإعلان أننا نعالجها؟

إن قرار منع بيع الشيبس في المقاصف المدرسية يفتح نقاشًا يتجاوز حدود المنتج الغذائي، ليصل إلى فلسفة الإدارة العامة، وأولويات الصحة الوقائية، ومدى قدرة المؤسسات على معالجة الأسباب بدلًا من الاكتفاء بالأعراض. فالقضية ليست دفاعًا عن الشيبس، ولا إنكارًا لأضرار الإفراط في الملح والدهون، وإنما دفاع عن مفهوم أشمل للصحة العامة.

معالي الوزير، لو كنت مكانك، لما بدأت بالسؤال عن كيفية منع الشيبس، بل عن كيفية توفير وجبة صحية وآمنة ومشبعة لكل طالب، وبسعر يناسب مصروفه اليومي. ولسألت لماذا لا تتحول المقاصف المدرسية إلى جزء من منظومة وطنية للتغذية الصحية، بدلًا من بقائها منافذ تجارية تبيع ما يحقق الربح دون رؤية غذائية متكاملة.

ما الفائدة من منع منتج يستطيع الطالب شراءه من البقالة المجاورة بعد انتهاء الدوام؟ وهل تغير سلوكه الغذائي فعلًا، أم أننا نقلنا المشكلة من داخل المدرسة إلى خارج أسوارها؟ إن تغيير مكان الشراء لا يعني بالضرورة تغيير العادات، كما أن الالتزام بالمنع لا يعني اكتساب الوعي.

والأخطر أن تتحول القرارات الصحية إلى أعباء إضافية على الأسر محدودة الدخل. فليس من العدالة منع الطالب من شراء منتج زهيد الثمن، ثم تركه أمام بدائل صحية تفوق قدرته الشرائية. الصحة ليست امتيازًا للأغنياء، ولا ينبغي أن يصبح الغذاء الجيد رفاهية لا يستطيع الفقراء الوصول إليها.

إن الإصلاح الحقيقي يبدأ بوضع معايير غذائية واضحة لجميع المنتجات المدرسية، تشمل نسب السكر والملح والدهون والقيمة الغذائية، مع توفير بدائل مناسبة، وضبط الأسعار، ومراقبة النظافة والتخزين والصلاحية. فليس منطقيًا استهداف منتج واحد وترك منتجات أخرى قد تحمل خصائص غذائية مماثلة دون تنظيم.

لكن التشريعات وحدها لا تصنع الوعي. فالطفل الذي يفهم لماذا ينبغي التقليل من الأغذية مرتفعة الملح والسكر سيكون أقدر على اتخاذ قرارات صحية داخل المدرسة وخارجها. أما الطفل الذي نكتفي بإخباره بأن هذا ممنوع، فقد يعود إليه بمجرد غياب الرقابة. نحن بحاجة إلى تعليم أبنائنا كيف يفكرون في غذائهم، لا مجرد تلقينهم قائمة بالمحظورات.

معالي الوزير، تخيل لو حمل القرار عنوانًا مختلفًا: «برنامج وطني للتغذية المدرسية والصحة الوقائية». برنامج تتعاون فيه وزارتا الصحة والتربية والتعليم، ويشارك فيه المختصون والأهالي وأصحاب المقاصف، ويضمن وجبات صحية ميسرة، ويربط التغذية بالمناهج والأنشطة المدرسية، ويخضع لتقييم دوري يقيس النتائج الفعلية.

عندها لن يكون السؤال كم كيس شيبس اختفى من المقاصف، بل كم طالبًا تحسنت عاداته الغذائية؟ وكم أسرة أصبحت قادرة على توفير غذاء صحي لأطفالها؟ وهل انخفض استهلاك المنتجات غير الصحية، أم انتقل شراؤها إلى خارج المدرسة؟ فالسياسات الناجحة لا تقاس بعدد التعليمات الصادرة، وإنما بالتغيير الذي تحدثه في حياة الناس.

ومن الضروري أيضًا ألا تتحول الرقابة إلى عقوبات عشوائية تطال أصحاب المقاصف الصغيرة، الذين يعتمد بعضهم على هذا النشاط مصدرًا للرزق. فالإصلاح العادل يمنحهم الوقت والتدريب والحوافز اللازمة لتطوير منتجاتهم، ويجعلهم شركاء في حماية الأطفال، لا مجرد أطراف تتحمل وحدها تبعات القرار وتكاليف تنفيذه.

إن مسؤولية الدولة لا تنتهي عند إصدار التعليمات، بل تبدأ عند ضمان تطبيقها بعدالة وشفافية، والاستماع إلى ملاحظات المدارس والأهالي، وتصحيح الأخطاء متى ظهرت. فالقوة الحقيقية للقرار ليست في صرامة عباراته، وإنما في قدرته على تحقيق نتائج مستدامة يشعر بها الطالب وأسرته والمجتمع.

معالي الوزير، لا نريد قرارًا ينتصر على كيس شيبس، بل سياسة تنتصر لصحة الطفل ووعي الأسرة وعدالة المجتمع ومستقبل الوطن. فالمدرسة ليست مكانًا لتطبيق الممنوعات فقط، وإنما مؤسسة لبناء الإنسان، وصناعة عاداته، وتعزيز قدرته على الاختيار المسؤول.

إن كيس الشيبس قد يختفي من المقصف بقرار إداري، لكن بناء جيل صحي واعٍ يحتاج إلى رؤية وطنية وإرادة مؤسسية واستثمار طويل الأمد. فالأوطان لا تصنع مستقبلها بكثرة ما تمنعه عن أطفالها، بل بما توفره لهم من معرفة وفرص وبيئة عادلة للحياة.

والسؤال الذي يستحق أن يبقى أمام صانع القرار ليس: ماذا منعنا اليوم؟ بل: ماذا قدمنا لأطفالنا كي يعيشوا غدًا بصورة أفضل؟



Source link

السابق
تيرابايت من البيانات في 10 أيام.. هل تهدد ماكينة القهوة الذكية خصوصيتك؟
التالي
“ألا تقولين الله أكبر الآن؟”… شهادات صادمة لقاصرين “تفضح عنف وعنصرية الشرطة الفرنسية”