كتب – د. عدلي قندح
في خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 أيلول 2026، برز تحذير يتجاوز متابعة التطورات السورية إلى تحديد مصالح أردنية حيوية لا يجوز تعريضها للخطر. فقد ربط الملك بين التوسع الإسرائيلي في جنوب سوريا وأمن الحدود الشمالية والمياه، مؤكداً أن «أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي». وفي هذا الربط تكمن أهمية الرسالة: فالخطر لا يُقاس فقط بوصول قوات إلى الحدود، وإنما أيضاً بقدرتها على تغيير البيئة الأمنية والتحكم بالموارد المؤثرة في حياة الأردنيين.
الجديد هنا ليس اكتشاف أهمية المياه أو حساسية الحدود الشمالية؛ فكلاهما من ثوابت الأمن الوطني. الجديد هو تسمية مصدر التهديد وربط التغيرات الجغرافية والعسكرية خارج الحدود باحتمال تقييد الخيارات الأردنية داخلها. وهذه قراءة استراتيجية للخطاب، وليست إعلاناً عن مواجهة عسكرية وشيكة أو دليلاً على وقوع اعتداء على المياه الأردنية بالفعل.
خلال سنوات الأزمة السورية، انشغل الأردن بمخاطر التنظيمات المسلحة وتهريب المخدرات والسلاح والنزوح وتعطل التجارة. أما التحدي الذي يبرزه التحذير الملكي فيضيف بُعداً آخر: احتمال ترسخ وجود عسكري إسرائيلي في جنوب سوريا، بما يغير موازين القوة وطبيعة الجوار الأمني للأردن. وهنا تصبح المسألة أوسع من ضبط الحدود؛ إذ تتعلق بمن يملك التأثير في المنطقة المقابلة لها، وبالقواعد التي تضبط هذا التأثير.
ولا ينطلق هذا القلق من افتراض مجرد. ففي الثامن من أيلول، نقلت رويترز عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا أن العمليات الإسرائيلية أصبحت أكثر استدامة وترسخاً، وأنها وثقت إقامة حواجز ومنشآت عسكرية في القنيطرة ودرعا. وفي المقابل، تقول إسرائيل إن وجودها مؤقت وإن دوافعه أمنية. والفجوة بين هذا التوصيف وبين تطور الوقائع الميدانية هي جوهر المشكلة: متى ينتهي المؤقت، وما الذي يمنع تحوله إلى ترتيب دائم؟
في التحليل الاستراتيجي، قد تنشأ التحولات الكبيرة من خطوات صغيرة متراكمة، تبقى كل واحدة منها دون العتبة التي تستدعي رداً دولياً حاسماً. نقطة عسكرية تصبح طريق إمداد، ثم منطقة مقيدة الحركة، ثم واقعاً تفاوضياً يُطلب من الآخرين التكيف معه. وتكمن خطورة هذا النمط في أن كلفة الاعتراض ترتفع مع الزمن؛ فما يمكن منعه في بدايته قد يصبح تفكيكه لاحقاً أكثر تعقيداً وخطورة. لذلك يمكن فهم التحذير الأردني باعتباره محاولة لمنع تثبيت الوقائع قبل أن تتحول إلى شروط مفروضة على الإقليم.
لكن، لماذا حضرت المياه بهذا الوضوح؟ بكل بساطة لأن الحدود السياسية لا تتطابق مع حدود الأحواض المائية. فاليرموك حوض عابر للحدود، يرتبط باستعمالات ومنشآت في سوريا والأردن، ومن بينها سد الوحدة. وتوضح دراسات الإسكوا أن إدارة المياه في هذا الحوض تتأثر بالسدود والسحب في أعاليه وبترتيبات تقاسم الموارد. ومن ثم، فإن سلامة الأراضي والمنشآت وإمكانية الوصول إليها واستمرار تشغيلها قضايا تحمل آثاراً تتجاوز موقعها المباشر.
ومع ذلك، يجب تجنب القفز من التوسع العسكري في جنوب سوريا إلى الجزم بالسيطرة على جميع منابع اليرموك أو القدرة على قطع المياه عن الأردن؛ فهذه ادعاءات تحتاج إلى خرائط وبيانات هيدرولوجية وميدانية محددة. الخطر الذي يستحق الاستعداد له هو اتساع القدرة على التأثير في التدفقات أو تشغيل المنشآت أو صيانتها، أو تحويل الوصول إلى الموارد إلى موضوع ضغط ومساومة. فالسيطرة على الأرض لا تعني تلقائياً السيطرة الكاملة على الحوض، لكنها قد تغير شروط إدارته.
وتزداد حساسية هذا الاحتمال بسبب شدة الندرة المائية الأردنية. وتشير اليونيسف إلى أن الموارد المائية المتجددة المتاحة للفرد تقل عن مئة متر مكعب سنوياً، أي أقل من خُمس عتبة الندرة المطلقة البالغة خمسمئة متر مكعب. في مثل هذا الوضع، لا تتحدد أهمية أي مصدر بحجمه وحده، بل بصعوبة تعويضه وتوقيت فقدانه وكلفة البديل.
اقتصادياً، قد تكون خسارة كمية محدودة من المياه مكلفة بصورة تفوق نسبتها من الإمدادات. فعندما يقترب النظام من حدوده التشغيلية، تتطلب تعويضات النقص ضخاً إضافياً وطاقة ونقلاً وتمويلاً، وقد تزاحم استخدامات الشرب الزراعة والصناعة. ويتحمل المزارع خسارة الإنتاج، وتتحمل الأسرة كلفة شراء المياه وتخزينها، وتتحمل الخزينة نفقات الاستجابة. ولذلك فإن الأمن المائي يرتبط أيضاً بالتشغيل والدخل والاستقرار الاجتماعي وعدالة توزيع الأعباء.
ويكشف ذلك بُعداً آخر للتحدي: قد تتعرض حرية القرار السياسي للضغط حتى دون إغلاق مصدر مائي فعلياً. فمجرد اعتماد قطاع حيوي على تدفق يمكن تعطيله يرفع كلفة القرارات ويضيق هامش المناورة. ولا يعني هذا رفض التعاون المائي عبر الحدود؛ فالتعاون ضروري، لكنه يصبح أكثر توازناً عندما تتوافر بدائل وقدرة داخلية على تحمل الانقطاع.
من هنا، تكتسب المشاريع المائية الوطنية قيمة استراتيجية تتجاوز الحساب المالي المباشر. فالناقل الوطني، المصمم لتحلية ونقل نحو 300 مليون متر مكعب سنوياً من العقبة، يمكن أن يوسع خيارات الأردن ويخفف انكشافه على بعض المصادر المعرضة للمخاطر. لكن هذه طاقة مستهدفة للمشروع، وليست إمدادات متاحة حالياً. كما أن جدواه الأمنية تتطلب حماية منشآته وتأمين الطاقة والصيانة والتمويل، كي لا يُستبدل اعتماد خارجي باعتماد مفرط على منشأة أو مسار واحد.
ولا يجوز انتظار المشاريع الكبرى لتقليص الهشاشة. فخفض التسرب الفعلي، وضبط الاعتداءات، وتحسين القياس والتحصيل، وتوسيع إعادة الاستخدام الآمن للمياه المعالجة، كلها أدوات مكملة. وهنا يلزم التمييز بين المياه المفقودة مادياً والمياه غير المفوترة لأسباب تجارية؛ فإصلاح التحصيل يحسن مالية القطاع، لكنه لا يضيف بالضرورة كمية مادية جديدة إلى الشبكة. وتؤكد برامج البنك الدولي للأردن أهمية الجمع بين تقليل الفاقد وكفاءة الخدمة وخفض الكلفة وتعزيز القدرة على الصمود.
وعلى الجبهة السورية، تتمثل المصلحة الأردنية في قيام مؤسسات سورية قادرة على إدارة أراضيها وحدودها ومواردها وحماية مجتمعاتها. فاستمرار الفراغ أو تعدد سلطات الأمر الواقع يجعل الاتفاقات أقل قابلية للتنفيذ، ويزيد احتمالات التهريب والعنف وتعطل الخدمات. ودعم وحدة سوريا ينبغي أن يقترن بدعم الاستقرار المحلي وحماية السكان، لأن التوترات الداخلية تتيح مبررات للتدخل وتضعف قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.
وتوجد أرضية عملية للبناء عليها؛ فقد أعلنت وكالة الأنباء الأردنية إطلاق دراسة مشتركة لحوض اليرموك لدعم الإدارة المائية بين البلدين. ويمكن تطوير هذا المسار إلى تبادل منتظم للبيانات، وقياس مشترك للتدفقات، وإنذار مبكر بالتلوث أو التعطل، وترتيبات واضحة للجفاف والصيانة. فالتعاون الفني القابل للتحقق يقلل مساحة الشك، ويمنع تفسير كل انخفاض في المياه باعتباره فعلاً عدائياً؛ إذ يجب الفصل بين آثار المناخ والسحب والتشغيل وأي تدخل متعمد.
أما دولياً، فتحتاج الرسالة الأردنية إلى مطالب محددة يمكن متابعة تنفيذها: وقف ترسيخ الوقائع العسكرية الجديدة، ودعم احترام سيادة سوريا وترتيبات فصل القوات، وحماية المنشآت المدنية، وتوثيق أي مساس بالموارد المشتركة. وتزداد فاعلية الدبلوماسية عندما تُسند بملف يجمع الخرائط والقياسات والأثر الاقتصادي، فتتحول المخاوف إلى وقائع قابلة للفحص والمساءلة.
وفي الداخل، ينبغي ترجمة التحذير إلى اختبارات ضغط تجمع المياه والطاقة والغذاء والمالية العامة. ماذا يحدث إذا تعطل مصدر مهم شهراً أو ثلاثة أشهر؟ وما الطاقة البديلة المتاحة فعلياً؟ وكيف تُحمى المستشفيات والأسر الأشد احتياجاً والمزارعون؟ وأي تدخل يمنع أكبر خسارة بأقل كلفة؟ الإجابات العملية هي التي تحول مفهوم الأمن القومي إلى قدرة مؤسسية، بدلاً من بقائه عنواناً عاماً.
يحمل الموقف الأردني عناصر قوة، أبرزها وضوح المصلحة الوطنية وإمكانية الجمع بين الدبلوماسية والجاهزية الدفاعية والتعاون مع سوريا. لكنه يواجه قيوداً حقيقية: ندرة المياه، وكلفة البدائل، وطول تنفيذ المشاريع، وعدم ضمان استجابة دولية كافية. لذلك يتطلب التعامل معه بناء قدرة مستمرة على تقليل الضرر، بالتوازي مع منع التهديد.
لقد وضع الخطاب الملكي الحدود والمياه ضمن معادلة أمنية واحدة. والمغزى أن حماية الأردن تبدأ أيضاً بمنع نشوء أوضاع حوله تجعل أمنه المائي واقتصاده وقراره رهائن لتغيرات تُفرض بالقوة. وتُقاس فاعلية الاستجابة بقدرتها على حماية الحقوق، وتوسيع البدائل، وإبقاء التعاون ممكناً من موقع أكثر مناعة واستقلالاً.
