أخبار

كيف تبني إمبراطورية من العدم؟

كيف تبني إمبراطورية من العدم؟


كتب أ. د. عبدالرزاق بني هاني – 

مرحباً بكم في مدينة أوستنشيا، درة التاج في العالم الموازي، والواحة التي تتغنى ليل نهار بنظامها الديمقراطي الفريد. أوستنشيا ليست مجرد مدينة، بل هي تجربة اقتصادية واجتماعية رائدة تُدرّس في كبريات الأكاديميات، العالمية. ففي هذه المدينة، تمكن الخبراء من ابتكار نموذج اقتصادي عبقري يُعرف باسم اقتصاديات الهبل، وهو نظام يضمن دوران عجلة الحياة بسلاسة تامة، طالما أن الجميع يلتزم بقواعد اللعبة. ومن هنا دعونا نأخذكم في جولة سريعة داخل أروقة هذا الاقتصاد العظيم لنتعلم من تجاربهم الملهمة. وأول هذه الجارب هو ابتداع ديمقراطية الحمض النووي (DNA). فأوستنشيا، الديمقراطية متطورة جداً، لدرجة أنها لا تحتاج إلى صناديق اقتراع مزعجة أو حملات انتخابية مكلفة. فقد توصلوا إلى أن أفضل طريقة لضمان استقرار المناصب هي التوريث الديمقراطي، من العمدة إلى حارس المبنى. فكل منصب في المدينة ينتقل بسلاسة من الأب إلى الابن، ثم إلى الحفيد. ويعتقد أهل أوستنشيا بأن هناك ما يُسمى جينات الكفاءة، وأن المهارات الإدارية تنتقل عبر الحمض النووي، لذا فإن ابن المدير هو حتماً أصلح شخص لإدارة المؤسسة، حتى لو كان إنجازه الوحيد في الحياة هو قدرته على إضاعة مفاتيح سيارته يومياً. ولسان حال أوستنشيا هو لماذا نُتعب أنفسنا بالبحث عن الكفاءات، طالما أن الكفاءة تولد في غرف الولادة الخاصة بكبار المسؤولين؟ أي مسؤول أوستنشي بارز.

وننتقل بعد ذلك إلى دورة الاستهلاك المميتة، ومفادها يقول مت لكي أحيا! فاقتصاد أوستنشيا مبني على تضحية نبيلة جداً يقدمها الفقراء طواعية. وكي يزداد الأغنياء ثراءً، يجب على الفقراء أن يمولوا هذا الثراء بطريقة مبتكرة، وهو الإنفاق على ما يقتلهم، ومنه التبغ والغذاء السام والهواء الملوث، فيشتري الفقراء أشكال التبغ المختلفة، وطعاماً رديئاً مليئاً بالسموم، ويسكنون في عشوائيات تبنيها شركات الأغنياء لابتلاع أموالهم وإصابتهم بالأمراض. وتشمل الإنفاقات المميتة الاستثمار في المرض. فعندما يمرض الفقير، يذهب لشراء الأدوية من شركات الأدوية، التي يملكها الأغنياء. وتكون النتيجة النهائية أن يموت الفقير بهدوء بعد أن يكون قد سلّم كل مدخراته، بينما يستخدم الغني هذه الأموال لشراء يخت جديد أو قضاء إجازة في جزر المالديف للاستشفاء من ضغوط العمل.

أما قطاع التعليم في أوستنشيا، فقد أصبح خطوط إنتاج الجهل والانحراف. وكي يستمر اقتصاد الهبل في النمو، كان لا بد من تعديل المناهج الدراسية والجامعية لتتناسب مع متطلبات السوق. فالمدرسة في أوستنشيا لم تعد مكاناً للتربية، بل أصبحت أكاديمية مبكرة لتعليم الأطفال كيفية التخلي عن الأخلاق. يتعلم الطفل هناك كيف يغش في الامتحانات كمهارة أساسية للبقاء، وكيف يتنمر على زملائه ليثبت قوة شخصيته القيادية، وكيف يرمي قمامة بيته في الشارع. أما الجامعة فهي المرحلة النهائية في اقتصاديات الهبل. وفيها يتم إدخال الطالب ببعض العقل، ليتم تفريغه تماماً وحشوه بمصطلحات فارغة. إذ يتخرج الطالب بشهادة فاخرة تثبت بالدليل القاطع أنه جاهل ومؤهل تماماً لعدم فعل أي شيء مفيد، مما يجعله مواطناً مثالياً لا يطرح أسئلة مزعجة. وقد ابتدع أهل المدينة مصطلح الشطارة، وكيفية صناعة المعارضة السياسية. فأهم مصطلح في القاموس الاقتصادي الأوستنشي هو الشطارة. لكن في المجتمعات المتخلفة، الشطارة تعني الاجتهاد والذكاء، أما في أوستنشيا، فقد تم تحديث المفهوم ليواكب العصر، وقاعدته الذهبية هي أن الشطارة تعني أن تسرق وتنجو. فإذا اختلست الملايين ولم يمسك بك أحد، فأنت بطل قومي، ورجل أعمال عصامي، وقدوة للشباب الطامح. لكن هناك خطة الطوارئ (الخطة ب). ماذا لو خانتك شطارتك وتم القبض عليك بالجرم المشهود؟ لا تقلق، لأن نظام أوستنشيا يوفر لك مخرجاً مشرفاً. إذ بمجرد أن توضع قيود الحديد في يديك، كل ما عليك فعله هو الصراخ أمام الكاميرات وأن تقول سأفضح البقية من اللصوص. وفجأة، وبسحر ساحر، تسقط عنك تهمة لص فاسد لتتحول فوراً إلى معارض سياسي مضطهد يدفع ثمن مواقفه النبيلة ضد الفساد!

في النهاية، تقدم لنا مدينة أوستنشيا درساً بليغاً في كيفية تحويل الفساد المطلق والجهل المطبق إلى مؤسسة قائمة بحد ذاتها. اقتصاديات الهبل ليست مجرد نظرية، بل هي أسلوب حياة يثبت أنك لست بحاجة إلى التطور لتنجح، بل كل ما تحتاجه هو أن تقنع الجميع بأن الانحدار نحو الهاوية هو مجرد طيران في الاتجاه المعاكس!



Source link

السابق
من بينها قانون الإدارة المحلية.. مجلس النواب يحيل مشاريع قوانين إلى اللجان المختصة