جو24- لم تعد المنازل في قطاع غزة ملاذا للسكينة، بل أضحت مسارح لمجازر خاطفة تطال لحظات دفء عائلي نادرة.
فصواريخ الاحتلال لم تفرق بين دار تضم مصحفًا، وأخرى يحضر فيها الصليب، بل اختزلت المسافات العقائدية في ثوان معدودة، واضعة الضحايا تحت أطنان الإسمنت المفتت، لتسجل نمطاً شاملاً من القتل يستهدف جيلين في ضربة واحدة.
ففي حادثة فجعت المجتمع المسيحي، باغتت القذائف ماري “36 عاما” أثناء قضائها ليلة مبيت عابرة لدى والدتها “ميساء داود”.
انهار السقف فوق الغرفة لتتحول الزيارة إلى المشهد الأخير، وتستخرج الطواقم جثماني الأم وابنتها متلاحمين تحت كتلة خرسانية واحدة، مخلفة خلفهما ثلاثة أطفال أيتام وزوجاً مصدوماً يقلب بين الأنقاض ما تبقى من أثاث البيت.
وفي مشاهد مطابقة، جاء الاستهداف ليدفن “ياسمين البوبو”، وأمها “حلوم” داخل شقتهما، مكررًا السيناريو ذاته، في محو العائلات واقتلاع الأمهات وبناتهن من أسرهن دون سابق إنذار.
أمام هذا المصير الفاجع، قال عضو اللجنة الإدارية للكنيسة اللاتينية بغزة موسى عياد، إن الوجود المسيحي في غزة تلقى ضربات ثقيلة تمس نسيجه وأسره، قاطعاً أن استشهاد ميساء داود وابنتها ماري داخل بيتهما هو جريمة مكتملة الأركان تضاف إلى سجل الوجع الممتد.
وأضاف، خلال مراسم وداعهما، أن “الكنيسة التي تزف ابنتيها وسط حالة من الذهول ترى في هذه الدماء المراقة تحت الركام تأكيداً على أن آلة الموت لا تستثني أحدا”.
ويتابع “هذّه الآلة تستهدف أبناء الرعية في قلب أماكن سكناهم تماماً كما تستهدف كل مدني في القطاع”.
حسن المدهون، زوج شقيقة ياسمين البوبو، يقول لوكالة “صفا”: “إن استهداف العائلات من كلتا الديانتين يمثل محاولة لمحو الإنسانية والوجود في غزة”.
ويتساءل “ما ذنب ياسمين وأمها المسنة التي بلغت 86 سنة؟، وهما لا تتبعان أي تنظيم، والدليل أن مسيحيتين استشهدتا بنفس القصف”.
ويتابع “عندما تقضي ميساء وماري تحت الأنقاض، وتقتل في الوقت نفسه ياسمين البوبو وأمها بنفس الطريقة، يظهر بوضوح أن القاتل يستهدف الوجود الفلسطيني بأكمله”.
ويرثي ياسمين البوبو بقوله: “هي إنسانة ومعلمة وأم للطلاب والعائلة، رغم أنها لم تتزوج، لكنها تجسد كل معاني الإنسانية والوفاء”.
الصواريخ قتلت البوبو، التي بلغت 48 عاما، بعد أيام من إجرائها عملية جراحية، في جريمة مركبة، يحتار العقل في وصفها، باستهداف مريض وأكاديمي وإنسان آثر الاعتناء بوالدته المسنة.
ولا تتوقف الآثار المترتبة على هذه الجرائم عند حدود انتشال الجثامين، بل تبدأ في البيوت الخاوية التي غاب عنها حنان الأمهات وضحكات البنات.
وبين سجادة الصلاة المغطاة بالبارود وخشب الصليب المكسور، تركت الغارات أيتاما يواجهون الفراغ، وشواهد حية على أن القصف في غزة بات سلوكا يتعمد قطع دابر العائلات وطوي أجيالها في غمضة عين.
