كتب : الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
ليست أكثر مشاهد الإدارة إيلامًا أن ترى فاسدًا يمارس فساده، فذلك، على قبحه، سلوك يمكن فهم دوافعه وكشف أدواته ومواجهته بالقانون. المفارقة الأكثر تعقيدًا أن ترى من بنى خطابه ومواقفه على محاربة الفساد، ثم يمارس، عندما يمتلك السلطة، بعض ما كان يدينه؛ فيتحول من مطالب بالعدالة إلى موزع لها وفق قرب الآخرين منه، ومن منتقد للمحسوبية إلى مبرر لها، ومن ضحية للإقصاء إلى ممارس جديد له. عندها يصبح السؤال أعمق من فساد فرد أو انحراف مسؤول: ماذا تفعل السلطة بالإنسان، ولماذا يتغير بعض الناس عندما تتغير مواقعهم؟
قد يكون بعض هؤلاء قد أخفى حقيقته منذ البداية، لكن علم النفس والاجتماع والإدارة يقدم تفسيرًا أكثر تركيبًا. فالإنسان في موقع الضعف تحكمه قيود كثيرة، وتظل قدرته على تحويل رغباته ومواقفه الشخصية إلى أفعال محدودة. أما الاختبار الحقيقي فيبدأ عندما يمتلك القرار، ويستطيع أن يمنح ويمنع، ويكافئ ويعاقب، ويقرب ويبعد، بينما تتراجع قدرة الآخرين على مساءلته. هنا قد تظهر جوانب في الشخصية لم تكن الظروف السابقة تسمح بظهورها، وقد تتحول بعض القناعات التي دافع عنها الإنسان طويلًا عندما كان خارج السلطة إلى مبادئ قابلة للتأويل عندما يصبح داخلها.
منذ التحذير الشهير للورد أكتون من قابلية القوة للإفساد، ظل السؤال حاضرًا: هل تفسد السلطة الإنسان أم تكشف ما كان مستترًا فيه؟ الأرجح أن المسألة تجمع بين الأمرين. فالسلطة لا تصنع بالضرورة جميع عيوب الشخصية، لكنها قد توسع مساحة ظهورها، وتقلل القيود التي كانت تحد منها، وتمنح صاحبها القدرة على تحويل الميل الشخصي إلى قرار إداري نافذ. وقد بينت دراسات في علم النفس الاجتماعي أن امتلاك القوة يمكن أن يزيد الميل إلى المبادرة والسعي إلى المكافأة، ويقلل الشعور ببعض القيود، كما قد يؤثر في قدرة الفرد على النظر إلى المواقف من زاوية الآخرين. وهنا يمكن فهم كيف يستطيع مسؤول، بعد سنوات من النفوذ، اتخاذ قرارات تمس حياة أشخاص كثيرين، وهو مقتنع بأنه يتصرف بكفاءة وحزم وفي إطار المصلحة العامة.
غير أن الفساد لا يبدأ دائمًا بحقيبة أموال، ولا يولد بالضرورة في صورة قرار كبير يمكن للجميع اكتشافه. قد يبدأ باستثناء صغير لشخص قريب، ثم يتطور إلى تعيين يمكن إيجاد مبرر له، أو معلومة تصل إلى طرف دون غيره، أو فرصة تمنح لشخص لأنه «موثوق»، أو لجنة يجري اختيار أعضائها بما يرجح نتيجة محددة، أو نظام يطبق بحزم على البعض وبمرونة على آخرين. ومع تكرار هذه الممارسات يتكون قاموس جديد للتبرير؛ فالمحسوبية تصبح «ثقة»، والإقصاء يصبح «إعادة تنظيم»، واحتكار القرار يسمى «حسمًا إداريًا»، وإسكات النقد يقدم باعتباره «حماية للمؤسسة»، واختيار الموالين يوصف بأنه «بناء فريق منسجم». وبذلك قد يمارس الإنسان الخطأ طويلًا من دون أن يعود قادرًا على رؤيته بوصفه خطأ.
ومن هنا تبرز ضرورة توسيع مفهوم الفساد. فليس كل فاسد سارقًا للمال العام، كما أن سلامة الذمة المالية وحدها لا تكفي لإثبات سلامة ممارسة السلطة. هناك فساد في استخدام النفوذ قد يكون بالغ الضرر، كأن يستخدم المسؤول موقعه للانتقام، أو يحجب فرصة عن مستحق، أو يقدم القريب على الأكفأ، أو يعاقب من يخالفه مهنيًا، أو يطبق الأنظمة بصورة انتقائية، أو يجعل الولاء لشخصه معيارًا غير معلن للحصول على الفرص. قد تظل يد المسؤول نظيفة من المال، بينما تكون قراراته مثقلة بالمحاباة والتمييز والظلم.
وتصبح المشكلة أكثر خطورة عندما تبدأ الحدود بين المؤسسة وشخص المسؤول بالتلاشي. فشيئًا فشيئًا قد يصبح الاعتراض على القرار اعتراضًا على صاحب القرار، ونقد الإدارة إساءة إلى المؤسسة، وكشف الخلل تهديدًا لسمعتها، والاختلاف المهني خروجًا على الفريق. عندها تبدأ دائرة الصمت؛ فيتعلم العاملون ما يريد المسؤول سماعه، ويتراجع أصحاب الرأي المستقل، ويتقدم الأكثر قدرة على التكيف مع رغبات صاحب القرار. وبعد مدة يجد المسؤول نفسه محاطًا بأشخاص يؤكدون له باستمرار صحة خياراته، فتضعف لديه فرصة مراجعة الذات، ويصبح التصحيح أكثر صعوبة.
وقد تنبه علم الاجتماع مبكرًا إلى هذه الظاهرة. فقد لاحظ روبرت ميخلز، في دراسته للتنظيمات السياسية والاجتماعية، أن المؤسسات والحركات التي تبدأ بالدعوة إلى المشاركة والمساواة قد تشهد، مع الزمن، تركزًا للسلطة والمعلومات لدى مجموعة محدودة، ثم تبدأ هذه المجموعة بالدفاع عن استمرارها ومصالحها. وهنا يقع التحول الأخطر: يتحول الموقع من وسيلة لتحقيق رسالة المؤسسة إلى غاية قائمة بذاتها، ويصبح الحفاظ على النفوذ جزءًا من تعريف النجاح.
ولا تقف آثار هذه الظاهرة عند حدود الإدارة، بل تمتد مباشرة إلى الاقتصاد. فعندما يدرك المستثمر أن العلاقة الشخصية قد تكون أقوى من النظام، ويعرف المتعهد أن القرب من صاحب القرار قد يتقدم على جودة العرض، ويشعر الموظف أن الترقية لا ترتبط بالإنجاز، فإن المجتمع لا يخسر المال وحده؛ بل يخسر الثقة والمنافسة والإنتاجية. والأسوأ من ذلك أنه قد يخسر كفاءاته، لأن صاحب الكفاءة يستطيع المنافسة بالعلم والخبرة والعمل، لكنه يجد نفسه عاجزًا عندما تتحول المنافسة إلى شبكة مغلقة من العلاقات والمصالح.
أما في التعليم، فإن الأثر أكثر حساسية، لأن المؤسسة التعليمية لا تقدم المعرفة فحسب، بل تسهم في تشكيل منظومة القيم لدى الأجيال. فالطالب الذي يرى الواسطة تنتصر على الاستحقاق يتلقى درسًا غير مكتوب يفوق أحيانًا أثر ما يدرسه في القاعات. والباحث الذي يرى الفرص توزع وفق العلاقات قد يفقد ثقته بأن جودة البحث والاجتهاد هما الطريق الطبيعي للتقدم. والأكاديمي الشاب الذي يكتشف أن رأيه المستقل قد يكلفه فرصة أو موقعًا أو ترقية سيبدأ، ولو على مضض، بحساب كلفة الكلام وكلفة الصمت. وعندما تصل المؤسسة التعليمية إلى هذه المرحلة، فإنها لا تخسر قرارًا واحدًا، بل تبدأ بخسارة ثقافة أكاديمية كاملة، لأن الجامعة التي تخشى السؤال تناقض أصل رسالتها، والمؤسسة التي تكافئ الصمت لا تستطيع أن تعلم أجيالها التفكير النقدي بصورة مقنعة.
ومع ذلك، سيكون من الخطأ العلمي والأخلاقي الاعتقاد أن السلطة تفسد الجميع. فالتاريخ والإدارة الحديثة يقدمان أمثلة كثيرة لأشخاص زادتهم المسؤولية انضباطًا وتواضعًا وشعورًا بالواجب. والفارق الحقيقي يظهر غالبًا في علاقة المسؤول بالقيود والمساءلة: هل يقبل أن يُسأل عن قراره؟ هل يسمح بمراجعته؟ هل يطبق القاعدة نفسها على القريب والبعيد؟ هل يستطيع شخص أقل منه مرتبة أن يقول له: «أنت مخطئ»، من دون أن يخشى ثمنًا لاحقًا؟ وهل يفرق بين الاختلاف معه شخصيًا والإخلاص للمؤسسة؟ هذه الأسئلة تقدم اختبارًا للنزاهة أكثر صدقًا من كثير من الخطب والشعارات.
لذلك، فإن أحد أخطاء مكافحة الفساد هو اختزالها في البحث عن «المسؤول النزيه». نحن بحاجة إلى الإنسان النزيه، بالتأكيد، لكن المجتمعات الحديثة تحتاج قبل ذلك إلى مؤسسات لا تجعل نزاهتها مرهونة بأخلاق شخص واحد. فالمؤسسة الناضجة تدرك أن البشر يخطئون ويتأثرون بالمصالح والانحيازات، ولذلك توزع الصلاحيات، وتنشر المعايير، وتوثق أسباب القرارات، وتعلن حالات تضارب المصالح، وتحمي الاعتراض المهني، وتتيح مراجعة القرارات، وتحدد مدد المواقع الحساسة، وتقيس الأداء بنتائج يمكن التحقق منها.
ومن هنا ينبغي أن ينتقل الإصلاح من الوعظ إلى التصميم المؤسسي. لا يكفي أن نطلب من المسؤول أن يكون عادلًا؛ بل ينبغي أن نبني إجراءات تجعل الظلم أصعب. ولا يكفي أن نطالبه بعدم المحاباة؛ بل يجب أن تكون معايير الاختيار معلنة ونتائجها قابلة للتدقيق. ولا يكفي التحذير من احتكار السلطة؛ بل ينبغي توزيع الصلاحيات بما يمنع تركز القرار في يد فرد واحد. فكلما ازدادت السلطة، ازدادت الحاجة إلى المساءلة، وكلما اتسعت الصلاحية، وجب أن تتسع معها دائرة الرقابة والشفافية.
ويمنحنا المستقبل أدوات إضافية لتحقيق ذلك. فالرقمنة تستطيع تقليل مساحة القرار المزاجي، والبيانات يمكن أن تكشف أنماطًا غير طبيعية في التعيينات والمشتريات وتوزيع الموارد والفرص، كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في رصد الانحرافات ومواطن الخلل. إلا أن التكنولوجيا لا تصنع النزاهة من تلقاء نفسها؛ فإذا أمكن حجب البيانات، أو تعطيل الرقابة، أو تغيير المعايير، أو تجاوز النظام بقرار فردي، فإن أحدث التقنيات قد تتحول إلى واجهة حديثة لممارسات قديمة. ولذلك تبقى قوة المؤسسات، واستقلال الرقابة، ووضوح القواعد، وقابلية القرار للمراجعة هي الأساس.
وعندما نختار قائدًا أو مسؤولًا، ربما ينبغي ألا ننشغل كثيرًا بما يقوله عن النزاهة بقدر ما ننظر إلى كيفية ممارسته للسلطة التي امتلكها سابقًا، ولو كانت محدودة. كيف عامل من اختلف معه؟ ولمن منح الفرص؟ ومن أحاط به؟ وهل اختار من يقول له الحقيقة أم من يخبره بما يحب سماعه؟ وهل بقيت معاييره ثابتة عندما تعلق الأمر بصديق أو قريب أو صاحب مصلحة؟ وهل يستطيع أن يغادر موقعه بهدوء عندما تنتهي مهمته، أم يتعامل مع المنصب وكأنه حق شخصي دائم؟
فالسلطة لا تكشف موقف الإنسان من الآخرين فحسب، بل تكشف أيضًا حقيقة علاقته بنفسه. والمسؤول الذي يبدأ بالاعتقاد أن موقعه دليل على صواب رأيه، وأن معارضيه خصوم للمؤسسة، وأن بقاءه ضرورة لاستمرارها، يكون قد دخل منطقة شديدة الخطورة، حتى وإن ظل يرفع شعارات الإصلاح والنزاهة. فالفساد يبدأ أحيانًا قبل المال بكثير؛ يبدأ عندما تختل علاقة الإنسان بالقوة، وحين يصبح ما كان يرفضه لنفسه مقبولًا عندما يمارسه على الآخرين.
لذلك فإن المستقبل الذي نستحقه لا يقوم على كثرة الحديث عن محاربة الفساد، بل على مؤسسات تجعل الفساد أصعب، والمساءلة طبيعية، والقرار قابلًا للمراجعة، والاختلاف مشروعًا، والكرسي مؤقتًا. فالمناصب لا تجعل أصحابها أكبر من الناس، وإنما تجعل مسؤوليتهم تجاه الناس أكبر. ويبقى الامتحان الحقيقي لأي صاحب سلطة بسيطًا في جوهره: هل بقيت المبادئ التي طالب بها عندما كان خارج السلطة هي المبادئ نفسها التي يحتكم إليها عندما أصبحت السلطة بين يديه؟
فإذا تغيرت المبادئ بتغير الكراسي، فالمشكلة لم تكن يومًا في الظلم وحده، بل في أننا كنا نرفضه حين يقع علينا، ثم نجد له المبررات حين تصبح القدرة على ممارسته بأيدينا.
