أخبار

عندما تكون الكتلة الأكبر والأكثر تأثيرا وتمويلا بلا مقاعد في مجلس نقابة الصحفيين!

عندما تكون الكتلة الأكبر والأكثر تأثيرا وتمويلا بلا مقاعد في مجلس نقابة الصحفيين!


جو 24 :

 كتب بهاء سلامه – لم يعد النقاش داخل الوسط الصحفي الأردني محصورًا في نتائج انتخابات نقابة الصحفيين أو أسماء الفائزين فيها، بل بات يتجه إلى سؤال أعمق: هل ما تزال تركيبة مجلس النقابة تعكس الخريطة الفعلية للمهنة، أم أنها ما تزال أقرب إلى توازنات سابقة لم تعد منسجمة مع التحول الكبير الذي أصاب الإعلام الأردني خلال السنوات الأخيرة؟ فالثقل المهني والإخباري انتقل بدرجة واسعة إلى الفضاء الإلكتروني، فيما بقيت خرائط التمثيل النقابي أبطأ من هذا التحول.

نقابة الصحفيين الأردنيين

151 موقعًا مرخصًا… وكتلة مهنية وازنة

تُظهر قائمة المطبوعات الإلكترونية المنشورة على موقع هيئة الإعلام أن عدد المواقع الإخبارية الإلكترونية المرخصة يصل إلى 151 موقعًا، وآخر تحديث ظاهر للصفحة هو 16/04/2026. وفي المقابل، يذكر الموقع الرسمي لنقابة الصحفيين الأردنيين أن عدد أعضاء النقابة الحالي يبلغ 1375 عضوًا من الصحفيين الممارسين المتفرغين، وأن مجلس النقابة يتألف من نقيب وعشرة أعضاء يمثلون القطاعين الخاص والعام. هذه الأرقام تكفي وحدها لتأكيد أن الحديث عن المواقع الإخبارية لم يعد حديثًا عن هامش في المهنة، بل عن كتلة راسخة وواسعة داخل المشهد الإعلامي الأردني.

وإذا أخذنا تقديرًا مهنيًا محافظًا وافترضنا أن متوسط العاملين المهنيين في كل موقع يبلغ 2.5 صحفي بين رئيس تحرير ومحرر وصحفي عامل، فإن الكتلة التقديرية للعاملين في المواقع الإخبارية تصل إلى نحو 378 عاملًا. وهذا تقدير تحليلي لا رقم نقابي رسمي، لكنه يمنح صورة تقريبية عن حجم هذا القطاع، ويعني نظريًا أن المواقع الإخبارية تمثل نحو 27.5% من الجسم النقابي إذا جرى تحويل هذا الحضور المهني إلى عضوية وتمثيل فعليين. وهذا الاستنتاج حسابي مبني على الرقمين المنشورين رسميًا: 151 موقعًا و1375 عضوًا.

من يمول النقابة أكثر؟

المفارقة لا تقف عند حدود العدد والتأثير فقط، بل تمتد إلى جانب التمويل أيضًا. فإذا افترضنا أن كل موقع من المواقع المرخصة البالغ عددها 151 موقعًا يسدد رسم اشتراك سنوي مقداره ألف دينار، فإن مجموع ما تدفعه المواقع الإخبارية يصل إلى 151 ألف دينار سنويًا. وفي المقابل، إذا افترضنا أن عدد الصحف اليومية قرابة 7 صحف، وأن كل صحيفة تسدد الرسم نفسه، فإن مجموع ما تدفعه الصحف اليومية يبلغ نحو 7 آلاف دينار سنويًا فقط. وبذلك تكون المواقع الإخبارية، وفق هذا الافتراض، هي الكتلة الأكبر تمويلًا للنقابة من حيث الرسم الثابت المباشر، بفارق يتجاوز 21 ضعفًا تقريبًا عن الصحف اليومية. هذا الجزء من المقال يقوم على فرضية حسابية تحليلية انطلاقًا من العدد الرسمي للمواقع الذي تنشره هيئة الإعلام، ومن العدد التقريبي الذي اعتمدته للصحف اليومية.

الواحد بالمئة… ليس عبئًا خالصًا على المؤسسة

ويجب هنا التمييز بوضوح بين رسم الاشتراك السنوي الثابت وبين نسبة 1% من قيمة فاتورة الإعلان. فقانون نقابة الصحفيين ينص على أن من موارد النقابة 1% من قيمة فاتورة الإعلان تستوفيه المؤسسات الصحفية لحساب النقابة. وهذا يعني عمليًا أن هذه النسبة ليست عبئًا ماليًا خالصًا تتحمله المؤسسة وحدها بالمعنى المباشر، بل هي مبلغ يجري تحصيله عبر الفاتورة من النشاط الإعلاني نفسه، أي من المعلن أو المستفيد النهائي من الخدمة. لذلك، فإن معيار المقارنة الأوضح في هذا السياق يبقى رسم الاشتراك السنوي الثابت، لا نسبة الواحد بالمئة التي تسري، من حيث الأصل، على النشاط الإعلاني بوصفها مبلغًا محصلًا لحساب النقابة.

نقابة الصحفيين الأردنيين

التمويل الأكبر… والتمثيل صفر

هنا تظهر المفارقة الأساسية في أوضح صورها. فالقطاع الذي يمكن اعتباره، نظريًا، الكتلة الأكبر تمويلًا للنقابة من حيث الرسم السنوي الثابت، هو ذاته القطاع غير الممثل في مجلس النقابة. ووفق القراءة التقريبية المتداولة داخل الوسط الصحفي، فإن الصحف اليومية تحصد ما بين 5 إلى 6 مقاعد، ويحصد الإعلام الرسمي ما بين 4 إلى 5 مقاعد، فيما تخرج المواقع الإخبارية بصفر مقاعد. وهذه القراءة ليست تصنيفًا رسميًا منشورًا من النقابة بحسب القطاع، لكنها تعكس توصيفًا سياسيًا وانتخابيًا متداولًا داخل الوسط الصحفي. وإذا صح هذا التوصيف، فإن الخلل يصبح صارخًا: القطاع الأكبر عددًا وتأثيرًا وتمويلًا لا يحصد أي مقعد، فيما يحتفظ القطاع الورقي بحصة كبيرة من التمثيل رغم أن وزنه العددي والمالي، وفق هذه الفرضيات، أقل بكثير من وزن المواقع الإخبارية. أما الجزء الرسمي المثبت هنا فهو أن المجلس يتألف من 11 مقعدًا، أما توزيعها القطاعي الوارد في هذا المقال فهو تقدير تحليلي مبني على توصيفك لا على جدول رسمي منشور.

نقابة الصحفيين الأردنيين

الإعلام الرسمي: الكتلة الثانية… لكنها لا تحصد كامل وزنها

الاختلال لا يصيب المواقع الإخبارية وحدها. فالإعلام الرسمي، بوصفه الكتلة الثانية في الجسم النقابي وفق هذه القراءة، لا يبدو أيضًا أنه يحصد كامل وزنه الطبيعي. صحيح أنه يحضر في المجلس بما بين 4 و5 مقاعد بحسب التقدير المتداول، لكنه يبقى خاضعًا لقيد قانوني مهم يتعلق بالترشح لمنصب النقيب. فقانون نقابة الصحفيين يشترط في المرشح لمركز النقيب ألا يكون وزيرًا عاملًا أو موظفًا حكوميًا أو موظفًا في هيئة دولية أو مؤسسة أجنبية. وهذا يعني عمليًا أن الصحفي العامل في القطاع العام، مهما كان حضوره وخبرته وثقله داخل الهيئة العامة، لا يحق له الترشح لمنصب النقيب وهو على رأس عمله، ثم يصبح هذا الحق متاحًا له بعد التقاعد. وهنا يبرز التناقض الذي يستحق المراجعة: كيف يكون الصحفي غير مؤهل للترشح ما دام عاملًا، ثم يصبح مؤهلًا بمجرد تقاعده؟

نقابة الصحفيين الأردنيي

ومن هنا، فإن الإعلام الرسمي يبدو هو الآخر أقل من وزنه الكامل داخل المعادلة، لا بسبب ضعف حضوره، بل لأن القانون نفسه يضع سقفًا على قدرته في الوصول إلى قمة الهرم النقابي. وبذلك تصبح الصورة مختلة على مستويين معًا: المواقع الإخبارية خارج المجلس تقريبًا رغم أنها الكتلة الأكبر، والإعلام الرسمي داخل المجلس لكن دون كامل حقه السياسي بسبب القيد القانوني، فيما تبقى الصحف اليومية ممثلة بأكثر من وزنها العددي والمالي المفترض، وفق هذه القراءة التحليلية.

الصحف اليومية… تمثيل أعلى من الوزن المفترض

في ضوء هذه القراءة، تبدو الصحف اليومية المستفيد الأكبر من المعادلة القائمة. فمع افتراض أن عددها يقارب 7 صحف فقط، ومع افتراض أن العاملين فيها أقل من الكتلة العاملة في المواقع الإخبارية، ومع افتراض أن مساهمتها في الرسم الثابت لا تتجاوز 7 آلاف دينار سنويًا مقابل 151 ألفًا للمواقع، فإن حصولها على ما بين 5 و6 مقاعد يكشف أن ميزان التمثيل داخل النقابة لا يعكس فقط أحجام القطاعات، بل يعكس أيضًا خبرة انتخابية متراكمة وقدرة أكبر على تحويل الحضور إلى مقاعد. وهنا جوهر المسألة: المجلس، كما يبدو، لا يعكس بالكامل الخريطة الجديدة للمهنة، بل ما يزال إلى حد بعيد يعكس الخريطة التقليدية للنفوذ داخلها.

المستقبل يتجه إلى الرقمي

الأهم من ذلك أن هذه الفجوة مرشحة للاتساع في السنوات المقبلة. فالتحول في المهنة لا يتحرك باتجاه الورق، بل باتجاه الرقمي. وكثير من الصحفيين الذين يغادرون الصحف اليومية، سواء بالتقاعد أو بترك العمل أو بإعادة التموضع المهني، يتجهون لاحقًا إلى المواقع الإخبارية، إما عبر الاستثمار في موقع إخباري، أو العمل في موقع قائم، أو تولي رئاسة تحريره، أو الانخراط في البيئة الرقمية بصيغ مختلفة. وهذا يعني أن الكتلة الرقمية مرشحة للزيادة، فيما الكتلة التقليدية للصحف اليومية مرشحة للتراجع، خصوصًا على مستوى الأسماء الأساسية والخبرات التي كانت تاريخيًا عماد الصحافة الورقية. وهذه خلاصة تحليلية مستقبلية مبنية على اتجاهات المهنة كما عرضتها، لا على إحصاء رسمي منشور.

السؤال الحقيقي

لم تعد القضية إذن مجرد تنافس انتخابي بين أسماء أو قوائم. القضية باتت أعمق: من يمول النقابة فعلًا؟ ومن تمثله النقابة فعلًا؟

فإذا كانت المواقع الإخبارية، وفق الفرضية التي يقوم عليها هذا التحليل، هي الكتلة الأكبر عددًا، والأكثر تأثيرًا في المجال العام، والأكبر تمويلًا للنقابة من حيث الرسم السنوي الثابت، ثم تخرج من المعادلة بصفر مقاعد، فإن هناك خللًا بنيويًا يستحق المراجعة. وإذا كان الإعلام الرسمي هو الكتلة الثانية، لكنه يصطدم بقيد قانوني يمنعه من استكمال حقه في الترشح لمنصب النقيب، فإن الخلل لا يصبح انتخابيًا فقط، بل قانونيًا أيضًا.

نقابة الصحفيين الأردنيين

خاتمة

الخلاصة أن نقابة الصحفيين الأردنيين تبدو اليوم أمام حاجة حقيقية إلى مراجعة قواعد التمثيل داخلها، وإلى نقاش جدي حول مدى مواكبة قانونها ونظامها الداخلي للتحولات العميقة التي أصابت المهنة. فالمواقع الإخبارية لم تعد هامشًا، بل أصبحت مكوّنًا رئيسيًا في الصحافة الأردنية. والإعلام الرسمي ليس كتلة ثانوية، بل كتلة كبيرة يحول القانون دون استكمال حقها في المنافسة على قمة الهرم النقابي. أما إذا استمر الواقع على ما هو عليه، فستبقى المفارقة قائمة: الكتلة الأكبر والأكثر تأثيرًا وتمويلًا… بلا مقاعد في مجلس نقابة الصحفيين.



Source link

السابق
تخفيف الام الظهر عند الحيوانات الاليفة: حلول طبيعية فعالة
التالي
علاج الاعتلال العصبي الطبيعي للحيوانات الاليفة خيارات فعالة وحقيقية