عقدة السابع من أكتوبر… اليوم الذي لا تستطيع إسرائيل مغادرته
جو24- بعد ثلاث سنوات، لم يعد السابع من أكتوبر يوماً عابراً في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. لقد تحول إلى تاريخ فاصل، لا يُقاس فقط بما وقع فيه، بل بما تركه في الوعي الإسرائيلي والفلسطيني، وبالأسئلة التي لا تزال تتكاثر كلما ابتعد الزمن عن صباح ذلك اليوم.
بالنسبة إلى إسرائيل، يبدو السابع من أكتوبر أقرب إلى عقدة تاريخية مفتوحة. فهو اليوم الذي انهارت فيه، خلال ساعات، صورة جرى بناؤها لعقود عن الجيش الذي يعرف كل شيء، والاستخبارات التي ترى ما وراء الحدود، والسياج الذي لا يمكن تجاوزه، والدولة القادرة على حماية مواطنيها في اللحظة الحرجة.
ولهذا فإن الإسرائيليين، بعد ثلاث سنوات، لا يتجادلون فقط حول ما فعلته حماس، وإنما حول سؤال أكثر إيلاماً: أين كانت إسرائيل في السادس من أكتوبر؟
من هنا نفهم لماذا لا تزال لجان التحقيق تطارد حكومة بنيامين نتنياهو، ولماذا يعود المتظاهرون في الذكرى الثالثة إلى الشوارع مطالبين بتحقيق رسمي في الإخفاقات السابقة للهجوم. القضية لم تعد عسكرية فقط، بل تحولت إلى قضية ثقة بين المجتمع والدولة.
وهنا تكمن العقدة: يستطيع نتنياهو أن يتحدث عن حروب خاضها بعد السابع من أكتوبر، وعن ضربات وعمليات عسكرية واغتيالات وتغييرات إقليمية، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يمحو السؤال الذي سبق كل ذلك: كيف حدث السابع من أكتوبر أصلاً؟
إنه سؤال أخطر من سؤال الحرب نفسها، لأنه يمس جوهر العقيدة الأمنية الإسرائيلية.
أما فلسطينياً، فالسابع من أكتوبر يحمل معنى مختلفاً تماماً. فهو في جانب من الوعي الفلسطيني مثّل لحظة انهيار لصورة إسرائيل التي لا تُمس، وكسر الاعتقاد بأن السيطرة العسكرية والتكنولوجية قادرة إلى الأبد على إغلاق المجال أمام الفلسطيني. لكنه في الوقت ذاته فتح أبواب مرحلة شديدة القسوة، دفع الفلسطينيون خلالها ثمناً إنسانياً وجغرافياً واقتصادياً هائلاً.
وفي الضفة الغربية، كشفت السنوات الثلاث اللاحقة عن تصاعد في الحواجز وعنف المستوطنين والتوسع الاستيطاني والاقتحامات والاعتقالات، حتى باتت مساحات واسعة من الحياة الفلسطينية تخضع لمنطق الفصل والحصار والضغط المتواصل.
وهكذا أنتج السابع من أكتوبر معادلتين متناقضتين.
إسرائيل تقول: يجب ألا يتكرر ذلك اليوم.
والفلسطيني يقول: لا يمكن العودة إلى ما كان قبله.
الأولى تريد ترميم الردع، والثاني يريد كسر واقع الاحتلال والحصار والسيطرة.
ولهذا ربما يكون الوصف الأدق للسابع من أكتوبر أنه لم يصبح «عيداً» بالمفهوم التقليدي، ولا مجرد ذكرى حرب، وإنما نقطة تأسيس جديدة في الصراع.
في الذاكرة الإسرائيلية قد يشبه جرحاً وطنياً سيبقى يُستدعى عند كل انتخابات وكل أزمة أمنية وكل تحقيق في مسؤولية القيادة. وقد يتحول إلى ما يشبه «عقدة السابع من أكتوبر»: خوف دائم من المفاجأة، وهوس بمنع تكرار الاختراق، وشك في المؤسسات التي فشلت في ذلك الصباح.
وفي الوعي الفلسطيني سيبقى اليوم الذي أثبت أن القوة الإسرائيلية، مهما بدت طاغية، ليست مطلقة؛ لكن هذه الذاكرة ستظل أيضاً مرتبطة بسؤال الثمن: ماذا تحقق، وماذا خسر الفلسطينيون، وإلى أين يقود هذا الصراع؟
بعد ثلاث سنوات، لم تنتهِ قصة السابع من أكتوبر.
ربما بدأت قصته الحقيقية الآن.
فالمعارك العسكرية يمكن أن تنتهي باتفاق أو هدنة أو تبدل حكومات، أما التواريخ التي تدخل الوعي الجمعي فلا تنتهي بسهولة.
والسابع من أكتوبر دخل بالفعل ذاكرة الطرفين: عند الفلسطيني لحظة كسرت صورة القوة التي لا تُقهر، وعند الإسرائيلي جرح كسر وهم الحصانة.
ولهذا سيبقى هذا التاريخ لسنوات طويلة حاضراً في السياسة والحرب والانتخابات والعقيدة الأمنية؛ لا لأنه يوم وقع ثم انتهى، بل لأنه اليوم الذي ما زالت إسرائيل، بعد ثلاث سنوات، تحاول مغادرته ولا تستطيع.
