أخبار

ضياء العوضي ونظام الطيبات».. جديد الكاتب الصحفي حلمي الأسمر


 من سيرة طبيب مختلف إلى سؤال: من يملك حق تعريف الغذاء الصحي؟

صدر للكاتب حلمي الأسمر كتابه الجديد «المنشق: ضياء العوضي ونظام الطيبات»، وهو دراسة تتناول تجربة الطبيب ضياء الدين العوضي، الذي تحولت أفكاره في الغذاء والصحة والمرض إلى ما يتجاوز حدود الاجتهاد الطبي الفردي، ليصبح «نظام الطيبات» ظاهرة فكرية واجتماعية أثارت اهتمامًا واسعًا بين مؤيدين ومعارضين.

ويبدأ الكتاب الصادر عن (دار الآن ناشرون موزعون) من شخصية العوضي نفسه، الطبيب الذي يصفه المؤلف بأنه «الطبيب الذي تحوّل إلى ظاهرة»، قبل أن ينتقل إلى تفكيك الأفكار التي شكلت مشروعه، والبحث في الظروف التي سمحت لهذه الأفكار بالانتشار والتحول إلى منظومة لها أتباعها ومفرداتها وأسئلتها الخاصة.

لكن الكتاب لا يقدم «نظام الطيبات» باعتباره حمية غذائية جديدة فحسب. فالمؤلف يتعامل معه بوصفه فلسفة في علاقة الإنسان بجسده وغذائه ومرضه وعلاجه؛ إذ يضع مبادئ النظام أمام القارئ، ويتتبع تصوره للجسد وقدرته على استعادة توازنه، ثم يبحث في كيفية انتقال هذه الفكرة من نطاق التجربة الفردية إلى منظومة متكاملة.

ومن هنا تتسع أسئلة الكتاب.

ففي أحد مساراته، يبحث المؤلف في الأسباب التي جعلت الناس ينقسمون حول نظام الطيبات؛ بين من رأى فيه تجربة مختلفة تستحق النظر، ومن رفض أفكاره أو تحفظ عليها، مع محاولة فهم ما وراء هذا الانقسام، بدل الاكتفاء بتسجيل المواقف المؤيدة أو المعارضة.

ويذهب الكتاب أبعد من ذلك، متوقفًا عند اللحظة التي يتحول فيها الغذاء من مجرد مسألة صحية إلى هوية اجتماعية. وهنا يطرح سؤالًا لافتًا: هل أصبح نظام الطيبات ظاهرة اجتماعية؟ وكيف يمكن لفكرة بدأت حول الطعام أن تنتج جماعة لها مفاهيمها وحدودها وطريقة خاصة في النظر إلى الصحة والمرض والحياة؟

ويخصص الكتاب مساحة لافتة للتوتر بين الغذاء والدواء، وبين ما يقدمه النظام من تصور لدور الغذاء في استعادة الصحة وبين النموذج الطبي القائم على التشخيص والعلاج. ومن أكثر الأسئلة إثارة التي يطرحها الكتاب: «كيف يأكل مريض السكري السكر؟»، وهو سؤال لا يأتي بوصفه نصيحة علاجية، بل مدخلًا إلى فهم المنطق الداخلي لفلسفة نظام الطيبات والأسئلة التي يثيرها حول علاقة المرض بالطعام.

وفي هذا السياق، يؤكد الكتاب أن تناول أفكار العوضي لا ينبغي أن يتحول إلى تبسيط مخلّ؛ فلا كل مرض سببه الطعام، ولا كل مريض يمكن أن يستغني عن العلاج الطبي، لكن الكتاب يرى أن السؤال عن الدور الذي يؤديه الغذاء في الصحة والمرض يستحق أن يبقى مفتوحًا للبحث والنقاش.

ومن أبرز محاور الكتاب أيضًا علاقته بالسؤال الأكبر حول الطب الحديث وصناعة الدواء والغذاء. ففي فصل بعنوان «حين أصبح المرض صناعة… كيف غيّر رأس المال وجه الطب؟» ينتقل المؤلف من تجربة العوضي إلى بحث أوسع في العلاقة بين الاقتصاد والطب، وفي الكيفية التي يمكن أن تؤثر بها صناعة المنتجات الطبية والغذائية في طريقة فهمنا للمرض والعلاج.

ثم يصل الكتاب إلى واحد من أكثر أسئلته حساسية: «من يملك حق تعريف الغذاء الصحي؟»، مستكشفًا العلاقة بين المؤسسات الطبية والعلمية والمعايير التي تحدد ما يوصف بأنه «صحي»، وبين الأسئلة التي يثيرها نظام الطيبات عندما يقدم تصورًا مختلفًا عن الغذاء والجسد.

ولا يتوقف الكتاب عند الجانب النظري؛ إذ يضم في نهايته «دليل نظام الطيبات» الذي يجمع المبادئ العامة والمسموحات والتنبيهات، إلى جانب عرض للمادة التي اعتمد عليها المؤلف في تتبع أفكار العوضي وتطورها.

وبذلك يجمع «المنشق» بين السيرة والدراسة والتحليل الاجتماعي والنقد الطبي والتغذوي، محاولًا فهم الرجل والفكرة والظاهرة في آن واحد.

واللافت أن الكتاب لا يطلب من القارئ أن يتخذ موقفًا مسبقًا من ضياء العوضي. فهدفه، كما تكشف بنيته، هو وضع التجربة أمام القارئ بكل ما فيها من أفكار وأسئلة وتناقضات، ثم ترك مساحة للحكم والنقد.

ولهذا قد يكون الكتاب مهمًا حتى للقارئ الذي لم يسمع أصلًا بضياء العوضي.

فوراء قصة الطبيب «المنشق» عن المنظومة الطبية قصة أوسع تستحق أن تُفهم، وسؤال أكبر يستحق أن يُطرح: ماذا يحدث عندما يقرر فرد أن يعيد النظر في المسلمات التي تحكم طعامنا ومرضنا وعلاجنا؟

وهنا يتحول الكتاب من قصة عن طبيب ونظام غذائي إلى قراءة في ظاهرة إنسانية وفكرية واجتماعية وطبية وتغذوية تمس حياة كل واحد منا.

فالسؤال في النهاية لا يتعلق بضياء العوضي وحده، ولا بنظام الطيبات وحده.

إنه سؤال يمسنا جميعًا:

من يقرر ماذا نأكل؟

من يقرر ماذا نصدق؟

ومن نمنح حق تعريف الحقيقة؟

وربما تكون هذه هي النقطة التي يريد «المنشق» أن يترك عندها قارئه: لا أن يصدق العوضي، ولا أن يرفضه، بل أن يقرأه أولًا… ثم يفكر.



Source link

السابق
التربية ترفع مخصصات صندوق دعم الطالب الجامعي إلى 40 مليون دينار
التالي
إطلاق صفارات إنذار في العقبة مساء الاثنين لأغراض التجربة والصيانة