أخبار

حين يكتب إسرائيلي عن «العفن»… الأزمة التي لم تعد عسكرية في إسرائيل


كتب : زياد فرحان المجالي – عمّان

ليست الخطورة في أن يكتب ناقد عربي عن أزمة إسرائيل، ولا في أن يصف خصمٌ خارجي مجتمعها بأنه مأزوم أو منقسم. الخطورة تبدأ عندما يخرج الوصف من داخل البيت نفسه، ومن رجل أمضى سنوات في قلب المؤسسة الإعلامية الإسرائيلية، ليستخدم كلمة ثقيلة مثل «العفن» في توصيف ما يراه يحدث للدولة ومؤسساتها.

عيدو ديسنتشيك ليس صحفياً عابراً في المشهد الإسرائيلي؛ فقد شغل رئاسة تحرير صحيفة «معاريف»، إحدى الصحف التاريخية في إسرائيل. ولذلك لا تكمن أهمية ما يكتبه في حدة المصطلح وحدها، بل في الموقع الذي يأتي منه هذا النقد وفي الملفات التي يضعها تحت عنوان واحد: السياسة، والجيش، والقضاء، والمجتمع، والاقتصاد، وطريقة اتخاذ القرار.

والمهم هنا ألا نسقط في الفخ السهل: الاحتفال بأي مقال إسرائيلي متشائم باعتباره شهادة على قرب انهيار الدولة. فالدول لا تنهار بمقال، والمجتمعات لا تختفي لأن أحد كتّابها استخدم وصفاً قاسياً. لكن المقالات تصبح مهمة عندما تعكس قلقاً داخلياً حول نوع الدولة التي تتشكل خلف دخان الحروب.

ديسنتشيك يبدأ من واقعة تبدو صغيرة مقارنة بصخب الجبهات: الجدل الذي أعقب اختفاء اسم إسحق رابين من الشعار الجديد للمركز الطبي الذي يحمل اسمه، قبل أن تتراجع الإدارة وتعيد الاسم بعد الانتقادات. ظاهرياً هي أزمة هوية بصرية وتسويق، لكن دلالتها السياسية عند منتقدي الخطوة كانت أوسع: كيف تتعامل المؤسسات مع الرموز المؤسسة للدولة، وكيف يُتخذ القرار ثم يُتراجع عنه عندما يتحول إلى أزمة عامة؟

ومن الرمز ينتقل النقاش إلى ما هو أكثر حساسية: قضية الجندي السابق إلور أزاريا.

في 19 أيلول/سبتمبر 2026 قرر الرئيس إسحق هرتسوغ تقصير المدة المتبقية لمحو السجل الجنائي لأزاريا، الذي أدين في قضية إطلاق النار عام 2016 على الفلسطيني عبد الفتاح الشريف بعدما كان مصاباً وغير قادر على القتال عقب مشاركته في هجوم طعن. وأكدت الرئاسة أن القرار لا يلغي الحكم ولا يشكل إعادة محاكمة للقضية، بل يتعلق بمحو السجل الجنائي بعد مرور سنوات على تنفيذ العقوبة.

لكن المسألة لم تكن قانونية فقط.

فالجيش نفسه كان قد أبدى معارضة لطلب أزاريا، وقال مسؤولون عسكريون إن الظروف لا تبرر الاستجابة له وفق موقفهم. وهنا تتحول القضية من ملف شخصي إلى سؤال أوسع: أي رسالة تريد الدولة أن ترسلها إلى الجيش والمجتمع عندما تتصادم الاعتبارات السياسية والاجتماعية مع المعايير التي تقول المؤسسة العسكرية إنها تريد حمايتها؟

هذه هي النقطة التي يصبح عندها مصطلح «العفن» أكثر من شتيمة سياسية.

فالعفن، بالمعنى الذي يمكن استخلاصه من هذا النوع من النقد الداخلي، لا يعني أن الدولة فقدت قدرتها العسكرية. إسرائيل ما تزال تمتلك جيشاً متقدماً، وتكنولوجيا واستخبارات وقدرات نارية تسمح لها بتنفيذ عمليات بعيدة المدى. الأزمة التي يشير إليها النقد الداخلي من نوع آخر: هل تستطيع القوة العسكرية أن تعوّض تآكل الثقة السياسية والمؤسسية؟

هنا تحديداً يظهر الفرق بين الانتصار التكتيكي والنجاح الاستراتيجي.

يمكن لطائرة أن تصيب هدفها بدقة، ويمكن لجهاز استخباري أن يصل إلى خصمه، ويمكن للجيش أن يحتل أرضاً أو يدمر بنية عسكرية. لكن كل ذلك لا يجيب عن السؤال الذي تبدأ عنده السياسة: ماذا بعد؟

ماذا أنتجت الحرب سياسياً؟

هل صنعت أمناً أكثر استقراراً؟

هل قلّصت عدد الجبهات أم وسّعتها؟

هل أعادت للدولة ثقة مواطنيها بمؤسساتها؟

وهل أصبح «اليوم التالي» أكثر وضوحاً، أم أن التفوق العسكري نفسه بات يؤجل السؤال بدلاً من الإجابة عنه؟

هذه ليست أسئلة أخلاقية مجردة، بل جوهر التفكير الاستراتيجي.

فالدولة لا تنتصر لأنها قتلت عدداً أكبر من خصومها أو دمرت أهدافاً أكثر. معيار القوة الحقيقي هو قدرتها على تحويل الإنجاز العسكري إلى واقع سياسي أقل خطراً وأكثر قابلية للاستمرار.

وهنا يصبح النقد الإسرائيلي الداخلي شديد الدلالة.

فالخلافات حول القضاء، والتجنيد، وتوزيع أعباء الخدمة، وطبيعة الدولة، وعلاقة الدين بالسياسة، والملف الفلسطيني، لم تختفِ تحت الحرب. قد يدفع الخطر الخارجي المجتمع إلى الاصطفاف مؤقتاً، لكنه لا يلغي الأسئلة التي كانت موجودة قبله.

الحرب قد تؤجل الانقسام، لكنها لا تعالجه.

بل قد يحدث العكس: كلما طال أمد الحرب، انتقلت الخلافات من سؤال «من المسؤول؟» إلى سؤال أخطر: ما هي إسرائيل التي يريد كل طرف أن تبقى بعد الحرب؟

وهنا تكمن القيمة الحقيقية لمقال ديسنتشيك.

ليس المطلوب أن يتبنى القارئ العربي كلمة «العفن» باعتبارها حكماً نهائياً على إسرائيل، ولا أن يحولها إلى نبوءة بانهيار قريب. القراءة الأعمق أن رجلاً خرج من قلب المؤسسة الإعلامية الإسرائيلية يرى خطراً في تحول الأزمات المتكررة من حالات استثنائية إلى طريقة حكم ونمط حياة سياسي.

وهذه أخطر مرحلة يمكن أن تدخلها دولة تخوض حروباً طويلة.

فعندما تعتاد المؤسسات تجاوز الأزمات بدل حلها، وعندما يصبح الاستثناء قاعدة، وتتحول الحرب من وسيلة لتحقيق غاية سياسية إلى حالة شبه دائمة، تبدأ الدولة بخسارة شيء لا تصنعه الطائرات ولا تعيده الصواريخ: قدرتها على إنتاج إجماع داخلي حول معنى الدولة واتجاهها وحدود القوة التي تستخدمها.

لهذا، ليست أزمة إسرائيل المقبلة بالضرورة في عدد الطائرات التي تمتلكها، ولا في قدرة أجهزتها على الوصول إلى خصومها.

المسألة أعمق.

إنها في السؤال الذي يخرج اليوم من داخل إسرائيل نفسها:

هل يمكن لدولة أن تنتصر عسكرياً مرة بعد أخرى، بينما تبقى عاجزة عن تحديد شكل السلام الذي تريده، وحدود الحرب التي تخوضها، وصورة المجتمع الذي ستعود إليه قواتها عندما تسكت المدافع؟

عندها يصبح السؤال الحقيقي ليس: من ربح المعركة الأخيرة؟

بل:

أيّ دولة ستخرج من كل هذه الحروب عندما تنتهي؟



Source link

السابق
مدعوون لإجراء المقابلات الشخصية في “الصحة” (أسماء)