جو24- كتب -د.معن علي المقابلة—
كشفت ثلاث حوادث شهدتها العاصمة عمّان خلال اليومين الماضيين عن مفارقة مؤلمة في طريقة تعاملنا مع العنف، وعن أسئلة أكبر من مجرد وقائع أمنية عابرة. صاحب كلبين سمح لهما بالاعتداء على هرة وتمزيقها في الشارع العام، وطالب في السابعة عشرة اعتدى على معلم بأداة حادة، وطالب في الصف السادس اعتدى على معلمة داخل مدرسة.
ثلاث حوادث، وثلاث صور للعنف، لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده ليس فقط: لماذا وصل العنف إلى مدارسنا وشوارعنا؟ بل أيضًا: كيف يتعامل القانون والمؤسسات مع الضحية عندما يكون المعتدي حيوانًا أو طفلًا أو شابًا أو بالغًا؟
لن أدخل في نقاش التراجع المقلق في العملية التعليمية، ولن أتوقف طويلًا عند تصريح الناطق الرسمي باسم وزارة التربية والتعليم، الذي وصف ما جرى في المدرستين بأنه تعبير عن تراجع أخلاقي وقيمي في المجتمع قبل أن يكون تراجعًا في المدرسة.
لكنني أختلف مع اختزال المسألة بهذه الطريقة.
فالمدرسة ليست جزيرة معزولة عن المجتمع، صحيح، والطالب لا يدخلها تاركًا قيم المجتمع وسلوكياته عند الباب. لكن المدرسة ووزارة التربية والتعليم ليستا مجرد مرآة للمجتمع؛ فهما أيضًا من المؤسسات التي يفترض أن تسهم في بناء شخصية الطالب، وتعزيز قيم الاحترام والانضباط والمسؤولية لديه.
وإذا كانت المدرسة لا تستطيع التأثير في سلوك الطالب، فمن يستطيع؟
لكنني أريد أن أتجاوز هذا النقاش إلى مفارقة أكثر إثارة للقلق.
الهرة التي مزقتها الكلاب وجدت، بحسب ما أُعلن، استجابة أمنية مباشرة؛ أما المعلمة التي تعرضت للاعتداء، فتروي قصة مختلفة تمامًا.
في حادثة الهرة، تحركت الجهات الأمنية وأُلقي القبض على صاحب الكلبين واتُّخذ بحقه الإجراء اللازم. ولا جدال في أن حماية الحيوانات من التعذيب والعنف أمر حضاري وقانوني وإنساني، وأن الكائن الذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه يستحق الحماية.
لكن ماذا عن المعلمة؟
بحسب ما روته المعلمة في حديثها لإذاعة “حسنى”. فإنها اضطرت إلى التنازل عن الشكوى، أو أنها لم تتقدم بها أصلًا، بعد أن أُفهمت ــ وفق روايتها ــ بأن الأمر قد يتحول إلى “شكوى مقابل شكوى”. كما قالت إن رجال الأمن أبلغوها بأنه إذا تقدم ولي أمر الطالب بشكوى ضدها، فقد يُسجل بحقها قيد باعتبار أن الطالب حدث.
هنا يجب أن نتوقف.
ليس المطلوب أن نتخلى عن حقوق الطفل لأنه اعتدى، وليس المطلوب أن نتعامل مع الحدث باعتباره بالغًا. لكن حماية الحدث لا ينبغي أن تعني، بأي صورة، أن يشعر المعلم المعتدى عليه بأن أفضل خيار أمامه هو الصمت.
فالعدالة لا تعني حماية طرف وترك الطرف الآخر يبحث عن مخرج.
وإذا كان القانون يمنح الحدث ضمانات خاصة ــ وهذا أمر طبيعي ومطلوب ــ فإن السؤال الذي يجب أن تجيب عنه المؤسسات المعنية هو: ما الضمانات التي تحمي المعلم عندما يكون هو الطرف المعتدى عليه؟
الأمر لا يتعلق فقط بهذه المعلمة.
عندما يتعرض معلم للاعتداء داخل المدرسة، فإن الاعتداء لا يقع على شخصه فقط؛ إنه يمس هيبة المؤسسة التعليمية، ويؤثر في شعور بقية المعلمين بالأمان، ويرسل رسالة إلى الطلبة حول الحدود التي لا يجوز تجاوزها.
والأخطر أن يتحول الأمر إلى معادلة مفادها: إذا اشتكيت، فقد تصبح أنت أيضًا موضع شكوى.
إذا كانت هذه هي الصورة التي يفهمها المعلم من الإجراءات، فلا ينبغي أن نستغرب إذا اختار الصمت.
وهنا أصل إلى القضية الأهم: حقوق الحيوان لا يجب أن تكون في مواجهة حقوق الإنسان، وحقوق الطفل لا يجب أن تكون في مواجهة حقوق المعلم.
القانون ليس ساحة يتنافس فيها أصحاب الحقوق على من يحصل على حماية أكبر. القانون يفترض أن يوفر لكل طرف الحماية التي يستحقها وفق وضعه القانوني، وأن يميز بين المعتدي والمعتدى عليه، وأن يضمن للحدث حقوقه دون أن يحرم الضحية من حقها في الشكوى والحماية.
لذلك، فإن الحديث عن “شكوى مقابل شكوى” ــ إذا صحت رواية المعلمة ــ يستحق مراجعة جادة، ليس لإدانة جهة بعينها، وإنما للتأكد من أن الإجراءات المتبعة لا تجعل الضحية تتراجع عن حقها خوفًا من أن تجد نفسها في مواجهة قضية أخرى.
والمقارنة مع حادثة الهرة ليست مقصودة للنيل من أهمية حقوق الحيوان. على العكس، إذا كنا قد وصلنا إلى مرحلة نتحرك فيها لحماية حيوان من الاعتداء، فهذا تطور يجب أن نفتخر به؛ لكن التطور الحقيقي يكتمل عندما تكون حماية الإنسان المعتدى عليه بالوضوح نفسه.
لا أريد مجتمعًا يختار بين الهرة والمعلمة.
أريد مجتمعًا يحمي الهرة، ويحمي المعلمة، ويحمي الطالب، ويحاسب المعتدي، ويضمن للحدث حقوقه، ويضع لكل حالة إطارًا قانونيًا واضحًا لا يجعل الضحية تخشى من المطالبة بحقها.
فالسؤال ليس: من أهم، الهرة أم المعلمة؟
السؤال الحقيقي هو: لماذا نستطيع أن نتحرك بسرعة عندما تكون الضحية هرة، ثم يصبح الأمر أكثر تعقيدًا عندما تكون الضحية إنسانًا يقف يوميًا أمام أبنائنا ليعلّمهم؟
ربما تكون هذه الحوادث الثلاث قد كشفت لنا أن المشكلة أعمق من طالب اعتدى على معلم، أو صاحب كلاب أساء التعامل معها.
المشكلة تبدأ عندما يفقد الإنسان شعوره بأن القانون سيحميه إذا تعرض للاعتداء.
وعندها لا يعود السؤال فقط: من اعتدى على من؟ بل: هل يشعر المعلم أن القانون يحميه عندما يتعرض للاعتداء؟
