تثير دراسة أميركية شملت قرابة ٤٠٠ ألف شخص قلقًا يتجاوز نتائج اختبارات الذكاء؛ إذ أظهرت تراجعًا في قدرات الاستدلال المجرد، واكتشاف الأنماط، وحل المشكلات، ولا سيما لدى الشباب. وليس الخوف أن يكون الإنسان قد فقد ذكاءه، بل أن يكون قد اعتاد ألّا يستخدمه إلا بالقدر الذي تسمح به الشاشة.
لقد نشأ جيل اليوم في عالم لا ينتظر فيه شيئًا. المعلومة فورية، والصورة عابرة، والإجابة جاهزة، والترفيه لا ينقطع. ومع كثرة ما يراه، تقلّ قدرته على التوقف والتأمل؛ فهو يعرف أخبار العالم في دقائق، لكنه قد يعجز عن قراءة كتاب حتى نهايته، أو بناء رأي لا تصنعه له المنصات.
دخل الذكاء الاصطناعي إلى الحياة اليومية عبر الهواتف بصورة واضحة مع إطلاق المساعد الصوتي «سيري» على هاتف «آيفون ٤ إس» عام ٢٠١١، ثم تطورت الهواتف حتى أصبحت قادرة على التعرّف إلى الوجوه، وتحليل الصور، وتوقّع الكلمات، واقتراح ما نقرأ ونشاهد ونشتري. ولم تعد الآلة تنتظر أوامر الإنسان فحسب، بل أخذت تُشكّل عاداته وميوله وطريقة نظره إلى العالم.
إن الخطر لا يكمن في الهاتف نفسه، بل في جيل يمنحه ساعات عمره، ويستمد منه أفكاره، ويقيس قيمته بعدد المشاهدات والإعجابات. وحين يعتاد العقل المحتوى القصير، يصبح التفكير الطويل عبئًا، وحين يتلقى الإجابات الجاهزة، تضعف فيه شجاعة السؤال والبحث والشك.
أما الذكاء الاصطناعي، فإنه يضاعف هذا القلق؛ فقد يكتب للطالب واجبه، ويصوغ للموظف تقريره، ويلخص للقارئ كتابه، حتى يصبح الإنسان حاضرًا بجسده، غائبًا عن جهده الفكري. وعندئذ لن تكون المشكلة أن الآلة سبقتنا، بل أننا توقفنا عن السير.
إننا نخشى على جيل يملك أقوى الأدوات، لكنه قد يدخل المستقبل بأضعف إرادة للتركيز والصبر والاجتهاد. فالأمم لا تفقد مكانتها حين تنقص أجهزتها، بل حين تخبو عقول أبنائها.
ومن سلّم للآلة فكره، عاش تابعًا وإن ظن نفسه حرًّا؛ أما من جعل التقنية خادمًا لعقله، وأبقى السؤال حيًّا في صدره، فقد حفظ إنسانيته من مستقبل قد تكثر فيه الأجوبة ويقلّ فيه الحكماء.
