للدور الاردني خوارزميته الخاصة؛ فهل ندرك دور القيادة في بيئة إقليمية معقدة، حيث يفصل خيط رفيع بين القرار وتبعاته؟
تعمل السياسة الأردنية في بيئة حساسة، فرضتها الجغرافيا، وسط ضغوط دولية وإقليمية وقرارات ليست مريحة، لا مع الصديق والحليف ولا مع الخصم. الأردن قوي، لكنه لا يملك دائمًا رفاهية القرار؛ خيارات صعبة ومكلفة، وأحيانًا يكون أحلاها مرًّا، ضمن منظومة قرار تتداخل فيها اعتبارات وطنية وإقليمية ودولية مركبة ومتباينة.
عبور الأردن للربيع العربي لم يكن صدفة، وسط تحديات داخلية وخارجية وإقليمية، قادها جلالة الملك عبدالله الثاني، بحكمة ومسؤولية، بإسنادٍ وطني وعائلي من جلالة الملكة رانيا وسمو الأمير الحسين ولي العهد، ومؤسسات وأبناء الوطن، أوجد مسارًا إصلاحيًا شمل تعديلات دستورية وتشريعية عصرية.
خلال تنفيذ السياسات إلى إجراءات، يظهر جلالة الملك في الواجهة، فيتحمل الانتقادات وكلفة قرارات قد لا تُنفذ دائمًا بالصورة التي أُريدت لها. وهنا تبرز ضرورة التمييز بين من اتخذ القرار، ومن نفذه، ومن تحمل تبعاته.
الدولة تتحمل أخطاء الأفراد، لكن لا ينبغي أن يتحول احترام المؤسسات إلى حصانة للمقصرين عند ثبوتها. الإصلاح يقوم على مساءلة من يخطئ، والمواطن لا يطلب من المسؤول أن يخطئ من أجله. فالمساءلة ممارسة وطنية، وليست وسيلة للتشهير أو الشخصنة أو تصفية الحسابات.
… أكثر من مئة عام من بناء الدولة والتجربة الأردنية شكلت خوارزمية لا يمكن فهمها بمعزل عن بيئتها وتحدياتها. مصالح متقاطعة وتناقضات حادة بين الحلفاء والخصوم، وضغوط سياسية واقتصادية وموارد محدودة.
وبعض الملفات، لارتباطها بالمصالح العليا للدولة، تُدار وفق معطيات حساسة لا تكون جميعها متاحة للرأي العام؛ لذلك لا ينبغي الحكم عليها بالانطباعات وحدها، بل قراءتها ضمن سياقها الكامل.
العمل الوطني لا يقاس بما يظهر أمام الكاميرات؛ فغياب الشخص عن الصورة لا يعني أنه لم يكن جزءًا من المشهد، وظهوره لا يعني أنه كان صاحب القرار.
وقد عكس خطاب جلالة الملك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثمانين حجم هذه المسؤولية، حين أكد أن استمرار الصراع ليس قدرًا، وأن معالجة جذوره والوصول إلى حل عادل يؤدي إلى الاستقرار، تجعل أي خطأ في الحسابات يعبر الأردن إلى الإقليم.
في عالم سريع الأحداث، لا مكان للمؤسسات التقليدية فيها.
هنا تحديدًا ينتقل النقاش من الـHardware إلى الـSoftware.
الأردن نجح في بناء الـHardware: المؤسسات والهياكل. لكن التحدي يكمن في الـSoftware:
السياسيون لا يجمعون البيانات فحسب، بل يكتشفون الأنماط والعلاقات الكامنة بين مصالح متقاطعة وتناقضات حادة بين الحلفاء والخصوم.
قوة المنظومة لا تكفي، بل التكامل بين الإنسان والتقنية لجمع البيانات وتحليلها واختيار السياق. في عصر تدفق المعلومات بغزارة، يجب مواكبة الدبلوماسية الحديثة؛ الحضور والتمثيل لا يكفيان.
وتتأكد هذه الرؤية في عدد من الشخصيات الدولية.
طرح الدكتور Jitendra Singh نموذجًا يجمع الذكاء الاصطناعي والبشري، ويتقاطع ذلك مع Ursula von der Leyen في إبقاء الحكم والمسؤولية بيد الإنسان، ومع Keir Starmer وLawrence Wong في توظيف التكنولوجيا لتعزيز القدرات البشرية.
وتلخص السيدة Blaise Metreweli الفكرة بصرخة مدوية: التقنية تجمع المعلومات وتربطها في العالم الافتراضي والحقيقي، متجاوزة الزمان والمكان، بينما يبقى للإنسان فهم السياق، معلنةً عصرًا جديدًا في عالم الأمن والاستخبارات.
ويمكن للمؤسسات الأردنية أن تستفيد من تجارب نظيراتها الدولية؛ فمركز الملكة رانيا العبدالله لعلوم وتكنولوجيا البيئة (QRACEST) يمكنه الاستفادة من تجارب مثل (UFZ) الألماني و*(Deltares)* الهولندي في ربط البحث التطبيقي بالمياه والبيئة والمناخ.
كما يمكن لمركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية (UJCSS) توسيع شبكاته البحثية مع مؤسسات دولية مثل (Chatham House)، والمعهد الدبلوماسي الأردني مع مؤسسات متخصصة مثل (IFRI)، إلى جانب الاستفادة من خبرات (RAND).
علينا الاستفادة من الدور المحوري لسمو الأمير الحسين ولي العهد في خلق آليات تقنينية ترفع الوطن بيد أبنائه.
قد يكون من المفيد إنشاء مركز وطني (لقياس الرأي العام) ورصد الاتجاهات، أو تطوير هذا الدور ضمن المؤسسات القائمة، بعيدًا عن الشركات الخاصة، لدمج الخبرة الوطنية بالعالمية لدعم القرار.
تماهي ظاهرة المجاملات هي تحدٍ للدولة الأردنية، لكن لدينا حاكمية رشيدة تقرأ الأداء، وتحدد مسؤولية الأفراد، وتحفظ المؤسسات ولا تحميها بتبرير أخطائها، ولا نقويها بإضعافها.
فالقيادة تحتاج مسؤولًا يتحمل المسؤولية، لا يختبئ خلفها.
ليس كل من صنع التاريخ ظهر في الصورة، وليس كل من ظهر في الصورة صنع التاريخ.
فالظل لا يعني الغياب، والظهور لا يعني امتلاك القرار
