أحدثت التصريحات الأخيرة لنائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، في مقابلته المثيرة للجدل مع الإعلامي “جو روغان”، هزة ارتدادية عنيفة في الأوساط السياسية داخل واشنطن وتل أبيب على حد سواء. المقابلة التي استمرت لثلاث ساعات لم تكن مجرد حديث عابر، بل مثّلت تحولاً جذرياً في لغة الخطاب الرسمي للإدارة الأمريكية تجاه حليفها التاريخي في الشرق الأوسط.
من اتهام تل أبيب بمحاولة تخريب السياسة الخارجية الأمريكية، إلى الربط الصادم بين رجل الأعمال الراحل جيفري إبستين والموساد، تفتح هذه التصريحات الباب واسعاً أمام قراءة جديدة لمستقبل العلاقات الأمريكية الإسرائيلية.
أبرز محاور تصريحات فانس: تشريح “المستور”
جاءت تصريحات فانس لترسم ملامح مرحلة جديدة تتجاوز الخطوط الحمراء التقليدية في واشنطن، ويمكن تلخيصها في ثلاثة ملفات رئيسية:
1.إبستين والموساد: “الدولة العميقة” تحت المجهر
فجّر فانس مفاجأة من العيار الثقيل حين أكد أن جيفري إبستين، المدان بالاعتداء الجنسي، كان يمتلك صلات وثيقة بـ “أعلى المستويات في الاستخبارات الإسرائيلية” (الموساد) والدولة العميقة هناك، إلى جانب الاستخبارات الأمريكية.
هذا التصريح، الصادر عن مسؤول امريكي كبير برتبة نائب رئيس، يضفي شرعية رسمية على نظريات كانت تُصنف سابقاً في إطار “المؤامرة”.
2.اتهامات بالتدخل المباشر في السياسة الأمريكية
لم يتردد فانس في توجيه أصابع الاتهام لجهات إسرائيلية بمحاولة التأثير على القرار السياسي الأمريكي وعرقلة جهود الإدارة الحالية. وهاجم بوضوح محاولات تل أبيب لتقويض وتخريب المفاوضات والاتفاقيات التي تسعى واشنطن لعقدها مع طهران، معتبراً أن الأسلحة والدعم الأمريكيين هما من يحميان إسرائيل، مما يمنح واشنطن الحق الكامل في رسم مسارها الدبلوماسي الخاص دون إملاءات.
3.تراجع الشعبية والدعوة لـ “علاقة طبيعية”
أقرّ نائب الرئيس الأمريكي صراحة بتراجع شعبية إسرائيل متمثلة برئبس وزرائها في الولايات المتحدة. ودعا إلى إعادة صياغة التحالف ليكون بمثابة “علاقة طبيعية مع دولة طبيعية مبنية على المصالح المتبادلة”، مقارناً إسرائيل بفرنسا أو بريطانيا، حيث تتقاطع المصالح أحياناً وتختلف في أحيان أخرى، وهو ما يكسر فكرة “التحالف العابر للتباينات”.
اهمية تصريحات فانس وربطها مع التغيرات الهامة في الداخل الأمريكي
تكمن أهمية هذه التصريحات في أنها تصدر عن نائب رئيس الولايات المتحدة، وليس عن معارض أو أكاديمي أو إعلامي. والأهم أنها تأتي من داخل إدارة جمهورية عُرفت تاريخياً بأنها الأكثر قرباً من الدولة الصهيونية، الأمر الذي يمنحها وزناً سياسياً واستراتيجياً يتجاوز مضمونها المباشر.
لقد اعتادت إسرائيل خلال العقود الماضية على اعتبار الدعم الأمريكي ثابتاً لا يتأثر كثيراً بتغير الإدارات أو الأحزاب. إلا أن السنوات الأخيرة كشفت عن تغيرات واضحة داخل المجتمع الأمريكي نفسه، حيث أظهرت استطلاعات الرأي تراجعاً في التعاطف الشعبي مع السياسات الإسرائيلية، خاصة بين الشباب والديمقراطيين والمستقلين، بفعل الحرب في غزة، واتساع التغطية الإعلامية، وتصاعد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي التي كسرت احتكار الرواية التقليدية.
ومن هذه الزاوية، فإن حديث فانس عن تراجع الشعبية لا يبدو مجرد توصيف إعلامي، بل اعترافاً بواقع سياسي جديد بدأت ملامحه تتشكل داخل الولايات المتحدة.
دلالات التصريحات وأبعادها الاستراتيجية
تحمل هذه التصريحات الواضحة والمباشرة من الرجل الثاني في البيت الأبيض دلالات عميقة على عدة مستويات:
§صعود تيار “أمريكا أولاً” الواقعي:تُظهر التصريحات الهيمنة الكاملة لتيار الواقعية السياسية البراغماتية (America First) داخل الحزب الجمهوري. هذا التيار يرى أن الدعم الأعمى لإسرائيل دون مقابل يضر بالمصالح القومية الأمريكية ويجر واشنطن إلى حروب إقليمية لا ترغب فيها ولا تخدم مصالحها.
§ تحول إسرائيل إلى قضية حزبيّة خلافية:لم تعد إسرائيل تحظى بالإجماع المطلق داخل واشنطن. فبعد أن كان انتقادها حكراً على الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي ويوصف بأنه معاداة للسامية، بات الجناح اليميني الشعبوي في الحزب الجمهوري يوجه لها سهام النقد علناً وبقسوة غير مسبوقة.
§ أوراق ضغط وتصفية حسابات:يعكس الهجوم على نتنياهو ومحاولات ربط إبستين بالموساد رغبة واشنطن في لجم الاندفاع الإسرائيلي الإقليمي وتوجيه رسالة حازمة للائتلاف اليميني الحاكم في تل أبيب بأن الغطاء الأمريكي اللامشروط قد انتهى.
الخلاصة: نحو “حقبة علاقة المعاملات” (Transactional Era)
تؤكد تصريحات فانس أن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية قد ولّت فيها مرحلة “العلاقة العاطفية المقدسة”، لتدخل رسمياً مرحلة “علاقة المعاملات والمصالح المشتركة”. إن اتهام حليف وثيق بالتدخل في السياسة الداخلية وربطه بملفات استخباراتية مشبوهة كملف إبستين يعني أن القواعد القديمة للعبة قد تغيرت، وأن واشنطن بدأت تعيد النظر في تكلفة هذا التحالف الاستراتيجي ومدى ملاءمته لأولوياتها الدولية والمحلية الجديدة.
