تعد المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي في الأردن أحد أهم ركائز الحماية الاجتماعية والاقتصادية، إذ يمثل قانونها الإطار القانوني الذي يدخر من خلاله الأردني والأردنية حصيلة سنوات طويلة من العمل والجهد، أملاً في تأمين حياة كريمة عند بلوغ سن الشيخوخة أو في حالات العجز أو الوفاة.
ففلسفة الضمان الاجتماعي تقوم في جوهرها على مبدأ التكافل الاجتماعي بين الأجيال، وعلى ضمان حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي للمواطن بعد انتهاء قدرته على العمل. ومن هنا فإن قانون الضمان الاجتماعي لا يعد مجرد تشريع عادي، بل هو قانون ذو أثر مباشر على كل بيت أردني تقريباً، لما يرتبط به من حقوق مالية واجتماعية تمس حياة الأفراد ومستقبلهم.
وقد شهد قانون الضمان الاجتماعي في الأردن تعديلات متعددة خلال السنوات الماضية، في إطار محاولة المشرع التكيف مع المتغيرات الاقتصادية والديموغرافية، مثل ارتفاع متوسط العمر المتوقع وتزايد أعداد المتقاعدين مقارنة بعدد المشتركين. ورغم أن هذه التعديلات أثارت في حينها نقاشات قانونية ومجتمعية، إلا أن المواطن الأردني تقبلها في نهاية المطاف بوصفها جزءاً من إدارة التوازن بين استدامة النظام المالي للمؤسسة وبين حقوق المشتركين.
وتشير التقارير الاقتصادية إلى أن صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي يحقق عوائد وأرباحاً سنوية لا بأس بها، الأمر الذي يعكس تحقيق ارباح لموارد الصندوق وتنميتها. وتعد هذه العوائد عنصراً أساسياً في دعم الاستدامة المالية لنظام الضمان، إذ تمثل مورداً إضافياً إلى جانب الاشتراكات التي يدفعها العاملون وأصحاب العمل.
غير أن الجدل عاد إلى الواجهة مع طرح مشروع جديد لتعديل قانون الضمان الاجتماعي، يتضمن مقترحات لرفع سنوات العمل المطلوبة للتقاعد، وزيادة عدد الاشتراكات اللازمة لاستحقاق الراتب التقاعدي، فضلاً عن رفع سن التقاعد.
وتبرر الجهات الرسمية هذه التعديلات بجملة من الأسباب الاقتصادية والديموغرافية، أبرزها المحافظة على التوازن المالي للنظام التقاعدي على المدى الطويل.
ومع ذلك، يثير هذا التوجه عدداً من الإشكالات القانونية والاجتماعية. فمن أبرز هذه الإشكالات حالة العامل الذي يبلغ سناً متقدمة، كأن يصل إلى الحادية والستين من عمره مثلًا، ثم يقوم صاحب العمل بإنهاء خدماته واستبداله بعامل أصغر سناً.
ففي مثل هذه الحالة قد يجد المشترك نفسه عاجزاً عن الحصول على فرصة عمل جديدة بسبب عامل العمر، وفي الوقت ذاته يكون مطالباً باستكمال عدد معين من الاشتراكات ليستطيع الحصول على راتبه التقاعدي.
وهنا يبرز تساؤل جوهري حول كيفية تمكين هذا الشخص من استكمال اشتراكاته في ظل غياب مصدر دخل ثابت، وما إذا كان النظام القانوني يوفر آليات كافية لمعالجة هذه الحالات.
وتتجاوز الإشكالية الجانب الاجتماعي لتلامس جانباً مالياً وسياسياً يتعلق بعلاقة الحكومات المتعاقبة بأموال الضمان الاجتماعي.
فهناك تساؤلات يطرحها الرأي العام حول قيام بعض الحكومات بالاقتراض من أموال الضمان عبر أدوات مالية مختلفة.
ويطرح المواطن الأردني تساؤلًا مشروعاً حول ما إذا كانت هذه الأموال قد أعيدت بالكامل إلى المؤسسة، وما مدى تأثير هذا الاقتراض على المركز المالي للمؤسسة والصندوق.
ومن منظور قانوني بحت، فإن أموال الضمان الاجتماعي تعد أموالًا ذات طبيعة خاصة، لأنها تمثل حقوقاً مالية للمشتركين والمتقاعدين.
وبالتالي فإن أي تصرف بها يجب أن يكون خاضعاً لمعايير الحوكمة والشفافية، وأن يحقق مصلحة المؤسسة والمشتركين على حد سواء. ومن هنا يثور التساؤل: هل يتحمل المشترك الأردني تبعات السياسات المالية للحكومات المتعاقبة إذا ما ترتب على تلك السياسات ضغوط مالية دفعت إلى تعديل القانون أو تقليص بعض المزايا التقاعدية وزيادة سنوات العمل؟
أما من الناحية الدستورية، فإن الدستور الأردني منح السلطة التنفيذية، ممثلة بالحكومة، ما يعرف بمبدأ الولاية العامة في إدارة شؤون الدولة. فالحكومة مسؤولة عن إدارة السياسات العامة للدولة في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والمالية، وهي بذلك تتحمل المسؤولية السياسية عن القرارات التي تمس حياة المواطنين.
وفي المقابل، يمارس مجلس النواب الأردني بوصفه الغرفة الأولى في السلطة التشريعية دور الرقابة السياسية على أعمال الحكومة أثناء وجودها في السلطة، من خلال أدوات دستورية متعددة مثل السؤال النيابي والاستجواب وطرح الثقة.
غير أن الإشكالية الدستورية تبرز عند انتهاء ولاية الحكومة وخروجها من السلطة؛ إذ يثور التساؤل حول آليات المساءلة اللاحقة عن القرارات والسياسات التي قد تكون قد تركت آثاراً مالية أو اجتماعية أو سياسية طويلة الأمد.
وبالتالي فإن النقاش حول تعديل قانون الضمان الاجتماعي لا ينبغي أن يقتصر على الجانب المالي أو الفني فقط، بل يجب أن يمتد ليشمل أبعاداً دستورية تتعلق بمسؤولية السلطة التنفيذية عن إدارة الموارد العامة، وآليات المساءلة السياسية والقانونية عن القرارات التي تمس الحقوق الاقتصادية للمواطنين. فالمحافظة على استدامة نظام الضمان الاجتماعي تتطلب تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الاستقرار المالي للمؤسسة وبين حماية الحقوق المكتسبة للمشتركين، بما ينسجم مع مبادئ العدالة الاجتماعية وسيادة القانون.
