سكن الأمان في البيت الأردني هادئاً منذ نشئته، كقنديل يبدد وحشة الليل ويمنح العيون ثقة بميلاد الصباح، وبقيت رايته مرفوعة لأن جذورها امتدت عميقاً في حكمة أهله وحنكة دولته، وأضحت البلاد واحة استقرار في إقليم عصفت به نار الإمبريالية التي لا تنطفئ. مكث الاستقرار منذئذ في بيت يعرف أهله أن الخبز سيأتي، وأن الباب لن توقظه في العتمة يد الخوف. نجا الاردن من العواصف، غير أنه ظل بطيئاً في السير صوب احلام الغد؛ يحسن حفظ توازنه، لكنه يتردد في المضي نحو المستقبل، يحمل استقراره معنى الحكمة في مواسم القلق، ثم يطول مقامه عند عتبة الأمان حتى تحول الاطمئنان حذراً، وغدا الحذر مع الأيام سياجاً يحرس الحاضر، ويحجب عن المستقبل فسحة الميلاد، يؤخره حرصاً على بقاء المألوف ويترك أحلام الغد عالقة عند عتبة الممكن، حتى أضحت سلامة السفينة أهم من الوجهة التي أبحرت إليها. تشبه حكاية الأردن مع العلم شيئاً من هذه المفارقة. أقام الجامعات، ونشر التعليم في المدن والأرياف، وأرسل أبناءه إلى مشارق الأرض ومغاربها، فعادوا علماء وأطباء ومهندسين يحملون معرفة كان يمكن أن تنبت حولها مختبرات وصناعات ومدارس فكر. بقي العلم أقرب إلى جدران الجامعة منه إلى قلب الدولة؛ ازدهر على الورق وخفت في المصنع، وكثرت أبحاثه وقل أثره، حتى بدا كمطر غزير يهطل على أرض عطشى لا تصلها السواقي.
يعرف الأردن منذ عقود مواضع ذاك الخلل، تشهد على ذلك خطط تتكرر، واستراتيجيات تتجدد، وعبارات تعود كل مرة عن البحث والابتكار والإبداع وربط الجامعة بالصناعة، بينما يبقى المشهد عصياً على التحول. يكشف هذا الجمود عن علة أعمق من نقص التمويل أو ضعف الإدارة؛ عقلية اعتادت إدارة التوازنات، وتوزيع الموارد، وامتصاص الأزمات، حتى أصبح الاستقرار لديها غاية كبرى، بينما يحتاج العلم الحقيقي إلى القلق الخلاق والمغامرة والاستقلال والجدارة وحرية الاختيار. كما يمتلك العلم طبيعة لا تعرف كثيراً من المجاملة، يرفع الأكفأ، ويمنح صاحب الفكرة مكانة لا يمنحها القرب أو المنصب، ويخلق عالماً يستمد سلطته من معرفته، ومهندساً يبني شركته، وجامعة تملك قرارها، واقتصاداً يصنع الثروة بدلاً من انتظار توزيعها. تنشأ مع ذلك نخبة جديدة، وتنتقل بعض القوة من الإدارة إلى المختبر، ومن الوظيفة إلى المعرفة، ومن أبواب الدولة إلى فضاء المجتمع. يصبح العلم عندئذ أكثر من أداة للنمو؛ يغدو إعادة هادئة لترتيب موازين القوى في قلب الدولة.
نجح الأردن طويلاً في حماية سفينته، وظلت قدرته على صيانة استقراره واحدة من أثمن منجزاته، بيد أن هذا النجاح حمل وجهاً آخر أقل ظهوراً؛ فالاستقرار الذي يحرس الدولة قد يغريها بتأجيل المغامرة، والتوازن الذي يمنع السقوط قد يؤخر الإقلاع. نشأت إسرائيل على منطق مختلف حين جعلت العلم متصلاً بالبقاء منذ وقت مبكر، فتحولت مشكلات الماء والزراعة والأمن والصناعة إلى مسائل علمية، واقترب المختبر من المصنع، واقترب الاثنان من مركز القرار. صار العلم إحدى أقوى عضلات الدولة، وحظي بالمال والحرية والزمن لأنه تحول إلى ضرورة وجودية لا زينة ثقافية.
تكمن المفارقة الأردنية في نجاح الدولة زمناً طويلاً في العيش من دون أن يتحول العلم إلى استقلال وسيادة، ما أدى إلى تعثره في إقامة قاعدة علمية صلبة تعين الدولة في استقراره وتقدمه. غير أن القرن الحادي والعشرون يفرض معادلة أشد قسوة وأعمق صدقاً في دورة التاريخ؛ فالمعرفة أصبحت ثروة، والتكنولوجيا أصبحت قوة، والقاعدة العلمية تحولت إلى جيش، بينما الاعتماد على ما ينتجه الآخرون يرسم حدوداً وهمية للاستقلال. يظل الاستقرار فضيلة ما دام يفتح الطريق إلى المستقبل، ويتحول إلى قيد عندما يصبح الحفاظ عليه غاية في ذاته. يغدو المعنى عندها أكثر مرارة: الاستقرار الذي حمى الدولة من السقوط قد يحرمها، إن بقي منفصلاً عن العلم، من القدرة على الإقلاع، وربما البقاء.
عبدالله يوسف الزعبي
