جو24- لم تعد قضية فلسطين حاضرة في المشهد الفني الغربي من خلال أصوات هامشية أو مواقف فردية معزولة؛ فمع اتساع دائرة الفنانين والمشاهير الذين يعلنون تضامنهم مع الشعب الفلسطيني، تحولت المسارح والحفلات والمهرجانات إلى منصات تردد منها عبارات “فلسطين حرة”، فيما يواجه بعض أصحاب هذه المواقف ضغوطاً ومحاولات للإقصاء والإسكات.
وفي أحدث هذه المواقف، وجّه مغني الراب الأمريكي تشاك دي، رسالة مباشرة داعمة لفلسطين خلال ظهوره على المسرح، مستحضراً الجدل الذي أعقب استبعاد مغني الراب الأمريكي ماكليمور من جولة النجم البريطاني إد شيران، على خلفية مواقفه المؤيدة لفلسطين.
وقال تشاك دي أمام الجمهور: “هذا الحفل ليس من تنظيم مروّجي حفلات إد شيران. فلسطين حرة، هايتي حرة، ومن فضلكم حرّروا العقول المنغلقة”.
واختتم حديثه بتوجيه انتقادات مباشرة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قبل أن تواصل الفرقة عرضها أمام الجمهور.
ويأتي موقف تشاك دي بعد أسابيع من أزمة أثارت جدلاً واسعاً خلال جولة إد شيران في الولايات المتحدة، بعدما رفضت عدة ملاعب استضافة ماكليمور، عقب هتافه “فلسطين حرة” وحديثه عن غزة خلال حفلات في ولاية نيوجيرسي، قبل إبعاده عن بقية الجولة.
وأعقب قرار الاستبعاد انسحاب عدد من الفنانين والفرق المشاركة تضامناً مع ماكليمور، من بينهم فينياس ولوكاس غراهام وبيوغا وآرون رو، فيما أكد شيران أن قرار إبعاد مغني الراب اتخذه مروّج الجولة وليس هو شخصياً.
“فلسطين حرة” تتردد على المسارح الأمريكية
ولم يقتصر الأمر على ماكليمور وتشاك دي، إذ ظهر المغني كريس سمولز على المسرح إلى جانب فرقة “The Strokes” خلال حفل في كوينز بمدينة نيويورك، مردداً هتاف “فلسطين حرة”.
وفي تطور آخر، أعلن ماكليمور إطلاق جولة فنية بعنوان “فلسطين حرة”، تشمل دبلن وباريس ولندن في 26 و29 و30 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، على أن تُخصص جميع عائداتها لمنظمات تدعم الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية.
وجاء الإعلان بعد إقصائه من حفل إد شيران بسبب مواقفه الداعمة لفلسطين، حيث أكد ماكليمور أن الفنانين مطالبون باستخدام منصاتهم لمواجهة محاولات إسكات الأصوات المنادية بتحرير فلسطين، مشدداً على أن “الحياد خلال الإبادة لم يعد مقبولاً”.
كما ظهر مغني الراب الأمريكي بي-ريل، مرتدياً الكوفية الفلسطينية على المسرح، في موقف يضاف إلى سلسلة من الإشارات الرمزية التي بات فنانون غربيون يستخدمونها للتعبير عن تضامنهم مع فلسطين.
زاك براين.. “فلسطين حرة” في ملعب روبرت كرافت
ومن أبرز المواقف التي لفتت الانتباه أيضاً، ظهور نجم موسيقى الكانتري الأمريكي زاك براين على مسرح ملعب “جيليت” في بلدة “فوكسبره”، مرتدياً قميصاً كتب عليه “فلسطين حرة”، في رسالة سياسية وإنسانية تزامنت مع حفل موسيقي حظي بحضور جماهيري قياسي.
وجاء ذلك بعد أسابيع من تأكيد الميلياردير الأمريكي المؤيد لـ”إسرائيل” روبرت كرافت، مالك الملعب، أنه لم يكن يريد لماكليمور إقامة حفل في “جيليت”، عقب تصريحاته المؤيدة لفلسطين خلال جولة إد شيران.
وكان ماكليمور قد هتف “فلسطين حرة” في ملعب “ميتلايف”، قبل استبعاده لاحقاً من جولة شيران، الذي أكد بدوره أن قرار الاستبعاد اتخذه منظمو الحفلات وأصحاب الملاعب وليس هو.
وبحسب مجلة “Variety”، حطم زاك براين الرقم القياسي للحضور الجماهيري في ملعب “جيليت”، بعدما قدم عرضه أمام 73,538 مشجعاً، وهو أكبر حضور لأي حدث في تاريخ الملعب، بينما كان يرتدي قميصاً يحمل عبارة “فلسطين حرة” لليلة الثانية على التوالي.
ولم تتوقف الرسالة عند براين؛ إذ ارتدى عازف الطبول في فرقته، نيت هيد، قميصاً رياضياً كُتبت على مقدمته كلمة “فلسطين”، وعلى ظهره الرقم 5 واسم “هند رجب”، في إشارة إلى الطفلة الفلسطينية التي أصبحت رمزاً من رموز ضحايا الحرب على غزة.
تحول في المشهد الثقافي الغربي
وأثارت هذه المواقف الغربية ردود فعل عربية، ركز بعضها على المفارقة بين جرأة عدد من الفنانين الغربيين في إعلان تضامنهم مع فلسطين، وبين صمت شريحة من الفنانين العرب.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي محمد شاهين أن تصاعد مواقف الفنانين والمشاهير في الغرب المتضامنة مع فلسطين لا يمثل ظاهرة عابرة، وإنما يعكس، بحسب تقديره، “تصدعاً في منظومة الهيمنة الثقافية الغربية التي ظلت لعقود تفرض سردية أحادية تجاه الاحتلال الإسرائيلي”.
وقال شاهين في حديث لـ”قدس برس”، إن “حضور فلسطين في الحفلات والمهرجانات والفعاليات الفنية، وترديد الفنانين لعبارة (فلسطين حرة)، وانسحاب بعضهم من جولات فنية تضامناً مع أصحاب المواقف المؤيدة لفلسطين، يمثل مؤشراً على تحول في الوعي الثقافي والفني الغربي”.
وأضاف أن “هذا التحول ينقل شريحة من الفنانين من موقع الصمت أو الحذر إلى تبني مواقف أكثر وضوحاً”، معتبراً أن ذلك يفتح المجال أمام “مقاومة ثقافية ناشئة” تتحدى الخطاب الإعلامي التقليدي، وتستند إلى ما وصفه بصمود الشعب الفلسطيني وتحول معاناته إلى قضية ذات حضور عالمي.
ويرى شاهين أن “التغير في الخطاب الفني يتزامن مع تراجع تدريجي في قدرة الرواية الغربية الرسمية على احتكار تفسير الحرب على غزة، في ظل انتشار الصور المباشرة للدمار والمجاعة والقتل الجماعي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بما أتاح للجمهور الوصول إلى روايات وشهادات فلسطينية خارج القنوات الإعلامية التقليدية”.
ويضيف أن “ذلك انعكس على الخطاب الإعلامي والسياسي في الغرب خلال السنوات الثلاث التي أعقبت السابع من أكتوبر، مقارنة بالمراحل الأولى للحرب، عندما كانت التغطية تركز بدرجة أكبر على الضحايا الإسرائيليين وتقدم الحرب ضمن إطار (الدفاع عن النفس)”.
وبحسب شاهين، فإن “السردية الفلسطينية نجحت في فرض حضور أكبر في المجال العام الغربي، خصوصاً مع انتشار الصور والشهادات المباشرة، وهو ما انعكس أيضاً على مواقف قطاعات من الناخبين، ولا سيما الشباب، تجاه إسرائيل والحرب على غزة”.
ويشير إلى أن هذا التحول “لا يعني انتهاء التأثير الإسرائيلي في الإعلام والسياسة الغربية، لكنه يكشف”، وفق تقديره، أن “معركة الوعي أصبحت جزءاً رئيسياً من الصراع، وأن مواقف الفنانين والمشاهير تمثل أحد ميادينها المتنامية”.
وكتبت الكاتبة والإعلامية سمر جراح عبر حسابه على منصة “إكس”: “يا حسرة على مطربي ومطربات العرب… فنانون أميركيون يرفعون أصواتهم من قلب أميركا، بينما كثير من نجومنا لا يجرؤون حتى على الهمس باسم فلسطين”.
بدوره، قال رئيس “المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان” (منظمة مستقلة) رامي عبده، إن الساحة الفنية الغربية تشهد، بحسب وصفه، اتساعاً في الأصوات الداعمة لفلسطين ووقف الحرب على غزة.
وذكر أسماء عدد من الفنانين والفرق الذين أعلنوا مواقف مؤيدة لفلسطين، بينهم “Macklemore وMassive Attack وBrian Eno وKneecap وFontaines D.C.، إضافة إلى Dua Lipa وAnnie Lennox وBillie Eilish”، معتبراً أن هذه المواقف “تتوسع رغم ما وصفه بحملات الضغط والتهديد والإلغاء”.
وقال عبده: “مفارقة مؤلمة: في لحظة الاختبار، كان صوت الضمير أحياناً أعلى حيث لم نتوقعه”.
“فلسطين حرة” تصل إلى عناوين “فارايتي”
أما الباحث أحمد شرقاوي، فرأى أن أهمية المشهد تتجاوز وقوف الفنانين على المسارح، لتصل إلى حضور عبارة “فلسطين حرة” في عناوين مجلة “فارايتي” الأمريكية.
وقال شرقاوي عبر حسابه على منصة “إكس”، إن مجلة “فارايتي”، التي تُعد من أبرز المنشورات المتخصصة في صناعة السينما والتلفزيون في هوليوود، تمتلك تأثيراً واسعاً في تغطية الصناعة وتحليل إيرادات شباك التذاكر ومتابعة موسم الجوائز.
وأضاف أن ظهور عبارة “فلسطين حرة” في عنوان بارز للمجلة يمثل، في حد ذاته، تطوراً لافتاً في المشهد الإعلامي والثقافي الأمريكي، معتبراً أن دلالته تتجاوز الحدث الفني نفسه إلى طبيعة الحضور الذي باتت تحظى به فلسطين داخل دوائر صناعة الترفيه.
وبين المسارح الأمريكية والجولات الموسيقية، وصولاً إلى الصحافة الفنية المتخصصة، تبدو فلسطين حاضرة بصورة أكثر وضوحاً في المشهد الثقافي الغربي؛ حضور لا يخلو من الجدل والضغوط ومحاولات الاحتواء، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن انتقال القضية من نطاق التضامن الفردي إلى مساحة أوسع داخل الثقافة الشعبية الغربية.
