أخبار

الصهاينة يريدونها حرباً دينية.. فلماذا نُنكر ذلك؟!


الصهاينة يريدونها حرباً دينية.. فلماذا نُنكر ذلك؟!

د. أحمد أبو غنيمة

جو24- كتب : د. أحمد زياد أبو غنيمة

لسنواتٍ طويلة، والخطاب الرسمي العربي، ومعه طابورٌ طويل من النخب الثقافية والسياسية “العلمانية” أو المنهزمة نفسياً، يحاول جاهداً تفريغ الصراع مع العدو الصهيوني من محتواه العقائدي والديني.

لقد أُرهقت مسامعنا بمصطلحات من قبيل “نزاع حدودي”، “صراع سياسي”، في محاولة مستميتة لإقناع الذات وإقناع الغرب بأننا نخوض صراعاً مدنياً علمانياً يمكن حله على طاولات المفاوضات.

لكن المضحك المبكي في هذا المشهد، أن الطرف الآخر (الصهيوني) لم يخجل يوماً من إعلان الوجه الحقيقي للصراع؛ فهم يريدونها، ويخوضونها، حرباً دينية بامتياز، استناداً إلى نصوص تلمودية وتوراتية.. فلماذا نُصرّ نحن على إنكار هذه الحقيقة الجلية؟

الآباء المؤسسون: العلمانية كغطاء للمشروع الديني..

إذا عُدنا إلى الجذور التاريخية وتتبعنا تصريحات قادة الحركة الصهيونية الأوائل، الذين طالما وُصفوا بأنهم “علمانيون” (كبن غوريون وهرتزل)، سنجد أنهم لم يجدوا مبرراً لسرقة فلسطين سوى النص الديني.

في عام 1937، وأثناء مثوله أمام “لجنة بيل” البريطانية، أطلق دافيد بن غوريون (أول رئيس وزراء للكيان) تصريحه الموثق الشهير عندما سأله اللورد بيل عن الوثيقة التي تمنحهم الحق في فلسطين، فأمسك بن غوريون بالكتاب المقدس وقال: “هذا هو صك انتدابنا.. التوراة هي التي تمنحنا الحق في هذه الأرض وليس الانتداب البريطاني” (مذكرات بن غوريون، وتوثيقات لجنة بيل).

حتى غولدا مائير، التي قادت الكيان في مراحل مفصلية، لم تتردد في التصريح بأن “هذه البلاد وُجدت كتحقيق لوعد قطعه الله لنا” (صحيفة لوموند الفرنسية، 1971)، إنهم يستخدمون الدين كـ”طابو” عقاري لتبرير أبشع عمليات التطهير العرقي في التاريخ الحديث.

الانزياح نحو التطرف: قادة اليوم وحرب “العماليق”..

وإذا كان المؤسسون قد استخدموا الدين كأداة سياسية لتجميع الشتات، فإن قادة الكيان في السنوات الأخيرة، وتحديداً في ظل حكومات اليمين المتطرف، باتوا يتنفسون الحرب الدينية وينطقون بها في كل محفل، دون أي مواربة أو تجميل ديبلوماسي.

في ذروة العدوان الغاشم على قطاع غزة (أكتوبر 2023)، وقف رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو ليخاطب جنوده بجُملة توراتية دموية صريحة قائلاً: “يجب أن تتذكروا ما فعله العماليق بكم، كما يقول كتابنا المقدس”. (خطاب متلفز موثق، 28 أكتوبر 2023). وفي العقيدة اليهودية، النص الخاص بالعماليق (سفر صموئيل الأول 15: 3) يأمر صراحة بـ “القتل والإبادة للرجال والنساء والأطفال والرضع وحتى البهائم”؛ هذا ليس اقتباساً سياسياً، بل هو إعلان حرب إبادة دينية مقدسة.

وفي خطاب آخر، استنجد نتنياهو بـ “نبوءة إشعياء” ليبشر الإسرائيليين بالانتصار في “حرب النور ضد الظلام”.

أما وزراء حكومته، فقد تجاوزوا مرحلة التلميح إلى التصريح الفج؛ فوزير المالية بتسلئيل سموتريتش، وقف في العاصمة الفرنسية باريس (مارس 2023) خلف منصة تحمل خريطة “إسرائيل الكبرى” (التي تضم الأردن وأجزاء من سوريا والسعودية)، ليصرح بأن “الشعب الفلسطيني هو اختراع وهمي لم يتجاوز عمره 100 عام”، مستنداً إلى سردية دينية تنفي وجود أي حق لغير اليهود في “أرض الميعاد” (القناة 12 العبرية).

بدوره، وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، لا يترك فرصة لاقتحام المسجد الأقصى المبارك إلا ويؤكد فيها أن “جبل الهيكل (المسجد الأقصى) هو أقدس مكان لليهود، ونحن أصحاب السيادة هنا”، في تحدٍ سافر لمشاعر ملياري مسلم، وسعياً محموماً لتطبيق الرؤية الدينية المتمثلة في هدم الأقصى وبناء “الهيكل الثالث” المزعوم (تصريحات بن غفير الصحفية خلال اقتحاماته المتكررة عامي 2023 و2024).

عقدة الخوف والإنكار العربي..

أمام هذه الترسانة من النصوص والتصريحات الدينية التي تحرك آلة الحرب الصهيونية، يقف المُحلل متسائلاً:

لماذا يرتعد الخطاب العربي والإسلامي من وصف هذه المعركة بأنها “حرب دينية”؟

الجواب يكمن في “عقدة الخوف” تجاه الغرب، لقد أوهمونا أن استخدام المصطلحات الدينية في الصراع يضعنا في خانة “الإرهاب” و”التطرف”، فقمنا بتجريد قضيتنا من أقوى أسلحتها؛ ألا وهو البعد العقائدي والإيماني الذي يربط المسلمين بمسرى نبيهم، وفي الوقت الذي يتسلح فيه الجندي الصهيوني بفتوى من حاخامه تبيح له قتل الأطفال الفلسطينيين تقرباً إلى الرب، نُصر نحن على مطالبة الشاب الفلسطيني بمقاومة المحتل دفاعاً عن “قرارات الشرعية الدولية” الموهومة!

إن الصهاينة يخوضون حربهم ضدنا بمنطلق عقائدي توراتي بحت، لا يعترف بحدود سياسية ولا بقوانين دولية، وإن استمرارنا في إنكار هذه الحقيقة ليس سوى هروب من استحقاقات المواجهة.

لا يمكن مواجهة مشروع ديني توراتي إحلالي متطرف، بخطاب علماني مهزوز أو بمبادرات سلام استسلامية، إن المعركة في حقيقتها هي معركة عقيدة ووجود، وإذا لم نستعيد وعينا بأبعاد هذا الصراع، ونستلهم من عقيدتنا الإسلامية الراسخة أسباب الصمود والمواجهة، فإننا سنبقى ندور في حلقات مفرغة من الهزائم والتنازلات.

لقد صدقوا في إعلانهم أنها حرب دينية.. فمتى نصدق نحن ونعدّ لهم ما استطعنا؟



Source link

السابق
الذكاء الاصطناعي يهدد ملايين الوظائف الأمريكية