جو24- أثار ما نُشر مؤخراً عن عدم السماح لنزيلين في أحد مراكز الإصلاح والتأهيل بزيارة والدتهما وهي على فراش الموت، ثم السماح لهما بحضور جنازتها، تساؤلات إنسانية وقانونية تستحق التوقف عندها. وقد قرأت باهتمام مقال المحامي الأستاذ محمد الصبيحي الذي تناول الواقعة من زاوية الصلاحيات القانونية الممنوحة لوزير الداخلية والنيابة العامة، وأشكره على إثارته هذه القضية ومحاولته توضيح جوانبها القانونية.
ولكنني أود اغتنام هذه المناسبة للانتقال من مناقشة حالة إنسانية فردية إلى قضية وطنية أوسع، تتعلق بفلسفة العقوبة في الأردن، ومدى نجاح مراكز الإصلاح والتأهيل في تحقيق الغاية التي أنشئت من أجلها، وإمكانية مراجعة أوضاع نزلائها بهدف الإفراج عن أكبر عدد ممكن ممن تسمح ظروفهم القانونية والاجتماعية والأمنية بذلك.
فإذا كان القانون يسمح للنزيل بحضور جنازة والدته، ولا يوفر آلية واضحة لوداعها وهي على قيد الحياة، فإن السؤال لا ينبغي أن يقتصر على معرفة ما إذا كان الوزير قد التزم حدود صلاحياته، وإنما يجب أن يمتد إلى مدى ملاءمة التشريعات نفسها لمتطلبات العدالة والكرامة الإنسانية.
والأهم أن نتساءل: هل ما زال استمرار احتجاز كل نزيل يحقق منفعة حقيقية للمجتمع، أم أن بعض الحالات وصلت إلى مرحلة أصبح فيها السجن يضيف أضراراً اجتماعية واقتصادية دون تحقيق غاية إصلاحية واضحة؟
السجن وسيلة لتحقيق العدالة وليس غاية بحد ذاته
إن الهدف من العقوبة لا يقتصر على معاقبة من يخالف القانون، وإنما يشمل حماية المجتمع وردع الجريمة وإصلاح المحكوم عليه وإعادة تأهيله للعودة إلى الحياة الطبيعية.
ولعل تسمية السجون الأردنية بمراكز الإصلاح والتأهيل تعكس هذه الفلسفة، ولكن التسمية وحدها لا تكفي ما لم تقترن بسياسات وبرامج ونتائج قابلة للقياس.
فهل نقيس نجاح هذه المراكز بعدد النزلاء الذين تستوعبهم، أم بعدد الذين يعودون إلى المجتمع وقد أصبحوا أكثر استعداداً للعمل والإنتاج واحترام القانون؟
وهل من الضروري أن يبقى كل محكوم عليه في السجن حتى آخر يوم من عقوبته، مهما تغيرت ظروفه وسلوكه ومدى خطورته على المجتمع؟
لا شك أن هناك جرائم خطيرة تستوجب عقوبات رادعة، وأن حماية المجتمع وحقوق الضحايا يجب أن تبقى في مقدمة الاعتبارات. ولكن هذا لا يعني أن جميع المحكوم عليهم يمثلون الدرجة نفسها من الخطورة، أو أن استمرار سجنهم يحقق دائماً المصلحة العامة.
مراجعة وطنية شاملة لأوضاع النزلاء
أعتقد أن الوقت مناسب لإطلاق مبادرة وطنية لمراجعة ملفات جميع نزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل، وليس فقط الحالات التي تصل إلى وسائل الإعلام أو تحظى باهتمام الرأي العام.
ولا أقصد بذلك إصدار عفو شامل غير مدروس، أو التدخل في استقلال القضاء، وإنما إجراء مراجعة قانونية وإنسانية واجتماعية منظمة، تحدد الحالات التي يمكن الإفراج عنها أو الاستفادة فيها من بدائل العقوبات والإجراءات القانونية المتاحة.
فهناك نزلاء تقدموا في العمر، وآخرون يعانون أمراضاً خطيرة، ومن أمضوا جانباً كبيراً من عقوباتهم وأظهروا تحسناً حقيقياً في سلوكهم، ومن أصبح استمرار احتجازهم عبئاً على أسرهم دون منفعة إصلاحية واضحة.
وهناك حالات وصلت إلى طريق مسدود، بحيث لا يسهم استمرار السجن في معالجة أسباب المشكلة، بل قد يزيد من تعقيدها.
والمطلوب ليس الإفراج عن الجميع دون تمييز، وإنما دراسة كل حالة وفق معايير واضحة تشمل طبيعة الجريمة، وخطورة المحكوم عليه، وسلوكه، والمدة المتبقية من عقوبته، وظروفه الصحية والاجتماعية، وحقوق الضحايا.
السجناء السياسيون وحرية الرأي
وهناك فئة أخرى أرى ضرورة إعطائها أولوية خاصة، وهي السجناء السياسيون، إن وجدوا، ممن يكون السبب الحقيقي لاحتجازهم مجرد التعبير السلمي عن آرائهم أو ممارسة نشاطهم السياسي المشروع.
إن موقفي هنا واضح: كل من يثبت أن احتجازه كان لمجرد ممارسة حقه في التعبير السلمي أو المشاركة السياسية المشروعة ينبغي الإفراج عنه دون اشتراط اعتذار أو تعهد بالتخلي عن قناعاته السياسية، وبالإجراءات القانونية اللازمة.
فالدستور الأردني نص في المادة السابعة على صون الحرية الشخصية، وفي المادة الثامنة على عدم جواز تقييد حرية الإنسان إلا وفق أحكام القانون، كما كفلت المادة الخامسة عشرة حرية الرأي والتعبير ضمن حدود القانون، وأكدت المادة السادسة عشرة حق الأردنيين في الاجتماع وتأسيس الأحزاب والجمعيات وفق الضوابط الدستورية والقانونية.
إن الاختلاف مع الحكومة ليس جريمة، وانتقاد سياسات السلطة لا يعني معاداة الدولة، والانتماء إلى المعارضة السياسية السلمية لا ينبغي أن يكون سبباً لسلب الحرية.
ومن المهم التمييز بين ممارسة النشاط السياسي السلمي وبين ارتكاب جرائم مستقلة تتضمن العنف أو الاعتداء على حقوق الآخرين.
فحرية الرأي ليست منحة تقدمها الحكومة لمن يتفق معها، وإنما حق دستوري تتجلى أهميته عندما يختلف المواطن مع السلطة.
التعثر التجاري ليس جريمة
ومن القضايا التي تستحق اهتماماً خاصاً مسألة الديون الناشئة عن المعاملات التجارية والاستثمارية.
فعندما يقدم بنك أو شركة تمويل أو مستثمر تسهيلات مالية لتاجر أو صاحب مشروع، فإن العلاقة تقوم على اعتبارات تجارية واقتصادية، ويكون قرار التمويل مبنياً على تقييم الجدوى والضمانات والمخاطر والعائد المتوقع.
والدائن هنا طرف في معاملة تجارية اختار الدخول فيها بإرادته، وكان عليه تقدير احتمالات النجاح والفشل قبل اتخاذ قراره.
ومن هنا أرى أن العجز الحقيقي عن سداد دين تجاري لا ينبغي أن يؤدي إلى سلب حرية المدين، ما دام لم يرتكب احتيالاً أو إخفاءً متعمداً للأموال أو سلوكاً جرمياً مستقلاً.
فليس من العدالة أن يتحمل المدين وحده النتائج الشخصية القاسية لفشل معاملة تجارية، بينما يُعامل الممول وكأن مخاطر التمويل لم تكن جزءاً من قراره الاقتصادي.
وهذا لا يجعل الدائن شريكاً قانونياً في المشروع أو مسؤولاً عن خسائره، ولكنه يؤكد أن مخاطر عدم السداد جزء من طبيعة النشاط الائتماني.
ولنتساءل: إذا كان المدين عاجزاً عن الوفاء بالتزاماته وهو يمارس عمله، فكيف سيكون أكثر قدرة على السداد بعد حرمانه من العمل وإيداعه السجن؟
المدين قد يكون مفتاح إنقاذ المشروع
وهناك جانب اقتصادي بالغ الأهمية، وهو أن فرص إنقاذ المشروع المتعثر قد تعتمد في كثير من الحالات على الشخص الذي أنشأه وأداره، حتى لو كان قد ارتكب أخطاء أدت إلى تعثره.
فصاحب المشروع يمتلك غالباً خبرة تراكمية في طبيعة النشاط، وعلاقات مع الموردين والعملاء، ومعرفة بالأسواق والفرص المتاحة، وقد يكون الأقدر على إعادة تنظيم العمل وتصحيح الأخطاء واستعادة النشاط الاقتصادي.
ولنتذكر ما حدث مع رجل الأعمال الأمريكي دونالد ترامب، الرئيس الحالي للولايات المتحدة الأمريكية، عندما واجهت أعماله أزمة مالية حادة عام 1990، هددت بانهيار مجموعته التجارية.
فبدلاً من الدفع نحو تصفية أعماله فوراً، تفاوضت البنوك الدائنة على حزمة تضمنت تمويلاً إضافياً بنحو 65 مليون دولار، وتأجيل سداد بعض الالتزامات، مقابل ضمانات ورقابة مالية أكبر على أعماله.
ولم يكن ذلك عملاً خيرياً أو مجاملة لترامب، وإنما قراراً تجارياً هدف إلى المحافظة على فرص استرداد أموال البنوك وتجنب الخسائر التي قد تنشأ عن الانهيار الفوري لأعماله.
والمفارقة أن رجل الأعمال الذي واجه تلك الأزمة المالية عاد لاحقاً إلى ممارسة نشاطه، ثم أصبح رئيساً للولايات المتحدة، وهو يشغل اليوم منصب الرئيس السابع والأربعين.
ومن المهم التوضيح أن ترامب لم يعلن إفلاسه الشخصي، وإن كانت بعض شركاته قد خضعت لاحقاً لإجراءات إفلاس وإعادة تنظيم.
والدرس من هذه التجربة ليس أن كل مشروع يمكن إنقاذه، وإنما أن الشخص الذي تعثر مشروعه قد يبقى أحد أهم عناصر إنقاذه، وأن إعادة الهيكلة ومنحه فرصة جديدة قد تكون أكثر فائدة للدائن من إنهاء نشاطه.
فليس كل مدين متعثر فاشلاً لا أمل فيه، وليس كل مشروع خاسر مشروعاً انتهت فرص إنقاذه.
وقد اتخذ الأردن خطوة مهمة عندما أصبحت تعديلات قانون التنفيذ المتعلقة بمنع حبس المدين بسبب الالتزامات التعاقدية نافذة في حزيران 2025، مع بقاء بعض الاستثناءات القانونية.
ولكن المطلوب الآن مراجعة التطبيق العملي، ودراسة الحالات التي قد يستمر فيها الاحتجاز على خلفية قضايا مالية تحت أوصاف جزائية، للتحقق من وجود جريمة مستقلة عن مجرد العجز عن السداد، مع المحافظة على حقوق الدائنين.
لدينا تشريعات تسمح بالتقدم
من الإنصاف الإشارة إلى أن الأردن قطع خطوات مهمة في توسيع بدائل العقوبات السالبة للحرية، بما يشمل الخدمة المجتمعية والبرامج التأهيلية والمراقبة الإلكترونية في الحالات المؤهلة قانونياً.
لكن وجود التشريعات لا يكفي إذا لم تقترن بإجراءات تضمن الاستفادة الفعلية منها.
وأقترح تشكيل فريق وطني تشارك فيه وزارة العدل ووزارة الداخلية والجهات القضائية والاجتماعية المختصة، كل ضمن صلاحياته، لإجراء مراجعة أولية منظمة خلال تسعين يوماً.
وتشمل هذه المراجعة حصر ملفات النزلاء، وتحديد المؤهلين للاستفادة من الإفراج أو العقوبات البديلة، ودراسة الحالات الإنسانية والصحية والمالية، وإحالة التوصيات إلى الجهات صاحبة الاختصاص.
كما ينبغي تحديد الثغرات التشريعية التي تحول دون معالجة بعض الحالات، واقتراح تعديلها عبر القنوات الدستورية.
الإفراج وحده لا يكفي
إن التحدي الحقيقي لا ينتهي بخروج النزيل من مركز الإصلاح والتأهيل، بل يبدأ أحياناً عند عودته إلى المجتمع.
فإذا خرج دون عمل أو مصدر دخل، ووجد أبواب العمل مغلقة أمامه، وأسرته تعاني الفقر والديون، فإننا نكون قد نقلنا المشكلة من داخل السجن إلى خارجه دون معالجة أسبابها.
لذلك يجب أن تترافق المبادرة مع برامج للتأهيل المهني والتشغيل وإعادة الدمج الاجتماعي، بمشاركة القطاع الخاص وغرف التجارة والصناعة والمؤسسات المختصة.
وفي حالات المديونية، ينبغي مساعدة المدين على استعادة نشاطه الاقتصادي، ووضع ترتيبات واقعية لسداد التزاماته.
ولا ينبغي النظر إلى هذه البرامج باعتبارها أعمالاً خيرية، وإنما استثماراً اجتماعياً واقتصادياً يعود بالنفع على النزيل وأسرته وأصحاب الحقوق والمجتمع.
كما ينبغي قياس نجاح المبادرة بنسبة حصول المفرج عنهم على عمل، واستقرارهم الأسري، وقدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم، وانخفاض معدلات العودة إلى الجريمة.
نحو فلسفة جديدة للإصلاح والتأهيل
إن الدعوة إلى مراجعة أوضاع النزلاء ليست دعوة إلى التساهل مع الجريمة أو التفريط بحقوق الضحايا والدائنين، وإنما إلى استخدام القانون بصورة تحقق العدالة وتحمي المجتمع وتفتح المجال للإصلاح.
فالسجن قد يكون ضرورياً في حالات كثيرة، لكنه ليس بالضرورة الوسيلة الأكثر فاعلية في كل حالة.
ولعل الواقعة الإنسانية التي بدأت بها هذه المقالة تكون مناسبة لإطلاق مراجعة وطنية شاملة تتناول أوضاع النزلاء، والحريات السياسية، والتعثر المالي، وبدائل العقوبات، وبرامج التأهيل والاندماج.
إن قوة الدولة لا تقاس بعدد من تضعهم خلف القضبان، وإنما بقدرتها على تطبيق القانون وصون الحريات وإعادة من يستحق إلى الحياة الطبيعية.
فحرية الإنسان ليست أمراً ثانوياً، والسجن ليس حلاً لكل مشكلة، والعدالة لا تكتمل بمجرد تنفيذ العقوبة، وإنما تكتمل أيضاً عندما نمنح من يستحق فرصة حقيقية ليعود إلى أسرته ومجتمعه، قادراً على العمل والإنتاج وتحمل المسؤولية.
