أخبار

الرؤية الشاملة.. طريق القرار الرشيد

الرؤية الشاملة.. طريق القرار الرشيد


كتب اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني – 

ليست المشكلة دائمًا في نقص المعلومات، بل في الزاوية التي ننظر منها إليها. فكثير من الأخطاء لا تنشأ لأننا نجهل الحقائق، وإنما لأننا نرى جزءًا منها ونحسبه الحقيقة كلها. وفي عالم يتسم بتسارع الأحداث وتشابك المصالح وتعقيد العلاقات، يصبح الاكتفاء بمنظور واحد من أخطر أسباب سوء التشخيص وضعف القرار.

وهنا يظهر ما يُعرف ب”الرؤية النفقية”، وهي حالة يتركز فيها الاهتمام على جانب واحد من القضية مع إغفال بقية أبعادها. وفي المقابل، تقوم الرؤية الشاملة على النظر إلى القضايا باعتبارها منظومات مترابطة، لا يمكن فهمها أو معالجتها من خلال زاوية واحدة. فالحقيقة ليست خطًا مستقيمًا، بل بناء متعدد الأوجه، لا يكتمل إدراكه إلا بالنظر إليه من أكثر من اتجاه.

بين رؤية الغابة والانشغال بالشجرة

تنشأ معظم الإخفاقات في الإدارة والسياسة والاقتصاد وحتى في الحياة اليومية من خلل في زاوية الرؤية. فهناك من ينجذب إلى الصورة الكبرى حتى يغفل التفاصيل التي يتوقف عليها النجاح، وهناك من يغرق في الجزئيات حتى يفقد الاتجاه العام.

وهذا ما يلخصه المثل الشهير: “يرى الشجرة ولا يرى الغابة”. فالتركيز المفرط على مشكلة فرعية قد يستهلك الوقت والجهد، بينما تتجه المنظومة بأكملها نحو أزمة أكبر لم ينتبه إليها أحد. وكما أن النجاح يحتاج إلى رؤية استراتيجية، فإنه يحتاج كذلك إلى متابعة دقيقة للتنفيذ، لأن أي خلل في أحد الجانبين ينعكس على النتيجة النهائية.

الطب… حين يصبح الإنسان منظومة متكاملة

لعل القطاع الصحي يقدم أوضح مثال على أهمية الرؤية الشاملة. فقد كان الفكر الطبي التقليدي يركز بدرجة كبيرة على علاج المرض أو العضو المصاب، بينما يتجه الطب الحديث بصورة متزايدة إلى التعامل مع الإنسان بوصفه منظومة متكاملة تتفاعل فيها العوامل الجسدية والنفسية والاجتماعية والبيئية.

فالأمراض المزمنة، في كثير من الأحيان، ليست نتاج سبب واحد، بل نتيجة تداخل الوراثة مع نمط الحياة، والتغذية، والنشاط البدني، والضغوط النفسية، والبيئة المحيطة. ومن هنا لم يعد العلاج الناجح يقتصر على وصف دواء أو إجراء جراحة، بل أصبح يعتمد على بناء خطة علاجية متكاملة تراعي خصوصية كل مريض وظروفه وقدرته على الالتزام بالعلاج، بما يجمع بين العلاج الدوائي، والتغيير السلوكي، والدعم النفسي، والوقاية المستمرة.

إن الطبيب المتميز لا يعالج العرض فقط، بل يبحث عن جذور المشكلة، ويوازن بين العلاج السريع وبناء صحة مستدامة.

من إدارة الأزمات إلى إدارة الأسباب

وما يصح على الإنسان يصح كذلك على المؤسسات والدول. فالقرارات المتسرعة غالبًا ما تعالج الأعراض الظاهرة وتترك الأسباب الحقيقية دون معالجة.

فعندما تتراجع أرباح مؤسسة ما، قد يكون أسهل الحلول تحميل المسؤولية للموظفين أو الإدارة التنفيذية، بينما تكشف النظرة الشاملة أن الخلل قد يكون في جودة المنتج، أو تغير احتياجات السوق، أو ضعف الابتكار، أو اشتداد المنافسة، أو تراجع القوة الشرائية. ولذلك فإن القرار الرشيد لا يبدأ بتحديد المسؤول، بل بفهم المنظومة كاملة.

والأمر ذاته ينطبق على السياسات العامة؛ فقد تبدو بعض القرارات الاقتصادية او الضريبية ناجحة في ميزان الأرقام او المعايير الدولية، لكنها تترك آثارًا اجتماعية ومعيشية عميقة إذا أُغفلت أوضاع الفئات الأكثر تأثرًا بها. ولهذا فإن نجاح السياسات لا يُقاس بالمؤشرات المالية او الدولية وحدها، بل بقدرتها على تحقيق التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي والعدالة وتكافؤ الفرص.

مصفوفة الأبعاد الأربعة

ولكي تتحول الرؤية الشاملة من فكرة نظرية إلى منهج عملي في التفكير واتخاذ القرار، يمكن النظر إلى القضايا من خلال أربعة أبعاد متكاملة:

* البعد الأفقي (الاتساع): تحديد جميع الأطراف والمتغيرات ذات العلاقة، ورصد الآثار المباشرة وغير المباشرة لأي قرار لضمان عدم حدوث آثار جانبية غير محسوبة.

* البعد العمودي (الزمن والعمق): البحث في تاريخ الظاهرة او المشكلة وجذورها العميقة واستشراف نتائجها المستقبلية، بدل الاكتفاء بالحلول المؤقتة.

* البعد الكلي (الإستراتيجي): المحافظة على رؤية الصورة العامة والهدف النهائي، وربط القرارات بالاتجاه العام للمؤسسة أو الدولة.

* البعد التفصيلي (التنفيذي): متابعة تفاصيل التنفيذ والواقع الإنساني والعملي، لأن جودة التنفيذ لا تقل أهمية عن جودة التخطيط.

إن التكامل بين هذه الأبعاد هو ما يصنع القرارات المتوازنة ويقلل من احتمالات الوقوع في أخطاء الرؤية الأحادية.

الرؤية قبل القرار

إن تدريب العقل على الرؤية الشاملة ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة في زمن تتشابك فيه القضايا وتتداخل فيه المصالح. فالحكمة الحقيقية لا تكمن في امتلاك أكبر قدر من المعلومات، وإنما في القدرة على ربطها، وفهم علاقاتها، والانتقال بمرونة بين النظر إلى المشهد العام والتدقيق في تفاصيله.

ولذلك، فإن الرؤية متعددة الأبعاد ليست مجرد مهارة تحليلية، بل ثقافة في التفكير ومنهج في القيادة وصناعة القرار. فأعظم الأخطاء ليست تلك التي تنشأ من نقص المعرفة، بل من الاكتفاء بجزء منها. وكلما اتسعت زوايا الرؤية، اقتربت أحكامنا من العدل، وقراراتنا من الحكمة، وحلولنا من الاستدامة؛ لأن من يرى الغابة والشجرة معًا، يكون أقدر على اختيار الطريق الصحيح ويصبح أكثر حكمة في قيادة الذات والمؤسسات والدول.

 



Source link

السابق
30% من الامريكيين يرون أن “إسرائيل” ارتكبت إبادة جماعية