قرار مجلس الوزراء بالموافقة على اتفاقية الشراكة المنوي توقيعها بين صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي وجهاز الاستثمار العُماني، لغايات تأسيس شركة مساهمة خاصة مناصفة بين الطرفين وبرأسمال يبلغ 100 مليون دولار، يستحق قراءة متأنية ومسؤولة. فالموضوع لا يتعلق فقط بتعاون اقتصادي بين الأردن وسلطنة عُمان، ولا بمجرد إنشاء شركة استثمارية جديدة، بل يتعلق قبل كل شيء بأموال الضمان الاجتماعي، وهي أموال المشتركين والمتقاعدين وحقوق أجيال قادمة.
من حيث المبدأ، لا يوجد ما يدعو إلى رفض التعاون مع سلطنة عُمان، فهي دولة شقيقة، والتعاون معها في المجالات الاقتصادية والاستثمارية أمر مرحب به. كما أن التواصل مع جهاز استثماري سيادي عُماني قد يفتح بابًا لتبادل الخبرات، ودراسة فرص مشتركة، وبناء علاقات استثمارية عربية مفيدة. غير أن الترحيب بالتعاون لا يعني القبول التلقائي بصيغة الاستثمار المباشر، ولا يعني أن تتحول النوايا الإيجابية إلى التزامات مالية وقانونية قبل اكتمال الدراسات.
المسألة الأساسية ليست: هل نتعاون مع عُمان أم لا؟
السؤال الصحيح هو: ما هي الصيغة الآمنة والمهنية لهذا التعاون، خصوصًا عندما يكون أحد أطرافه صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي؟
في رأيي، الصيغة الأكثر حذرًا واتزانًا ليست البدء باتفاقية استثمار أو تأسيس شركة برأسمال محدد، بل توقيع مذكرة تفاهم للتعاون في الاستثمارات المشتركة المستقبلية. فمذكرة التفاهم تتيح للطرفين تبادل المعلومات والخبرات، وتحديد القطاعات ذات الأولوية، ودراسة الفرص الممكنة، وبناء إطار تعاون مؤسسي، دون أن تخلق التزامًا استثماريًا مبكرًا أو تعرضًا قانونيًا غير محسوب.
هناك فرق جوهري بين الاتفاق على التعاون والاتفاق على الاستثمار. التعاون يمكن أن يبدأ برؤية عامة وبنية حسنة وإطار مشترك. أما الاستثمار، وخاصة عندما يتعلق الأمر بأموال الضمان، فلا يجوز أن يبدأ إلا بعد تحديد فرصة محددة، وإعداد دراسة جدوى مستقلة، وتنفيذ العناية الواجبة المالية والقانونية والفنية والتجارية، وتقييم المخاطر، ثم الحصول على موافقات استثمارية واضحة من الجهات المختصة.
الاستثمار لا يجب أن يكون نتيجة للعلاقة، بل نتيجة للدليل. ولا يجب أن يكون مدفوعًا بالرغبة في إعلان شراكة، بل بجدوى اقتصادية قابلة للقياس. لذلك فإن التسلسل الصحيح يجب أن يكون: أولًا مذكرة تفاهم، ثم تحديد الفرص، ثم دراسات الجدوى، ثم العناية الواجبة، ثم الموافقة الاستثمارية، وبعد ذلك فقط الالتزام برأس المال.
إن تأسيس شركة مساهمة خاصة برأسمال 100 مليون دولار قبل وضوح المشاريع الفعلية يثير أسئلة مشروعة. هل سيتم دفع رأس المال نقدًا من البداية؟ أم سيكون التزامًا رأسماليًا يُستدعى على مراحل؟ ما هي المشاريع التي ستستثمر فيها الشركة؟ هل توجد فرص محددة ومدروسة؟ من سيقيّم المخاطر؟ ما هو الحد الأدنى للعائد المقبول؟ وما هي آلية الخروج إذا لم تحقق الاستثمارات نتائجها؟
هذه الأسئلة ليست تشكيكًا في الشراكة الأردنية العُمانية، بل هي دفاع عن الشراكة الصحيحة. فكلما كانت الأموال مرتبطة بحقوق المواطنين، زادت الحاجة إلى الشفافية والانضباط. أموال الضمان ليست أموالًا حكومية عادية يمكن توجيهها وفق اعتبارات سياسية أو إعلامية أو علاقات ثنائية. هي أموال تقاعدية مؤتمن عليها، ويجب أن تُدار وفق معايير حماية رأس المال، وتحقيق العائد، وتنويع المحفظة، وضبط المخاطر، وضمان السيولة اللازمة للوفاء بالالتزامات المستقبلية.
وهنا تظهر نقطة أخرى شديدة الأهمية، وهي المخاطر القانونية المترتبة على دخول صندوق الضمان كشريك مباشر في شركة فعلية. فقد يقال إن الشركة المساهمة الخاصة أو الشركة ذات المسؤولية المحدودة تفصل بين ذمة الشركة وذمة المساهمين، وأن مسؤولية المساهم تكون عادة في حدود مساهمته في رأس المال. وهذه قاعدة عامة صحيحة في كثير من الهياكل القانونية. لكنها لا تعني أن المخاطر القانونية تنتهي عند حدود رأس المال المستثمر في كل الحالات.
في القطاعات عالية المخاطر، قد لا تكون المشكلة في خسارة مبلغ الاستثمار فقط، بل في نوع الالتزامات التي قد تنشأ عن النشاط نفسه. فإذا دخلت الشركة الجديدة في استثمار يتعلق بالنفط أو الشحن البحري أو الطاقة أو المواد الخطرة أو مشاريع بيئية حساسة، ثم وقع حادث كبير، فقد تكون المطالبات والتعويضات والغرامات وتكاليف المعالجة أكبر بكثير من أصول الشركة نفسها.
لنتصور مثلًا أن الشركة استثمرت في شحنة نفطية، ثم وقع حادث تسبب في تسرب نفطي واسع. في مثل هذه الحالة، قد لا تكفي أصول الشركة لتغطية التعويضات البيئية، وتكاليف التنظيف، والدعاوى القضائية، والغرامات التنظيمية. وقد تبدأ بعد ذلك نزاعات قانونية معقدة حول من كان صاحب القرار، ومن قدّم الضمانات، ومن مارس الإدارة أو الرقابة، وهل كان الشريك مجرد مساهم مالي أم له دور مؤثر في النشاط. وقد تُثار مطالبات أو محاولات قانونية لربط المسؤولية بأطراف أخرى إذا لم يكن الهيكل القانوني محكمًا بما يكفي.
لذلك، من غير الدقيق القول إن الخطر دائمًا محصور في مبلغ الاستثمار فقط. كما أنه من غير الدقيق القول إن الضمان سيكون مسؤولًا تلقائيًا عن كل التزامات الشركة. الصياغة الأدق أن الشراكة المباشرة في شركة تمارس أو تموّل أنشطة عالية المخاطر قد تفتح بابًا لتعرضات قانونية وبيئية وتعاقدية تتجاوز التصور الأولي، خصوصًا إذا وُجدت ضمانات، أو تدخل مباشر في الإدارة، أو ضعف في الفصل القانوني، أو نقص في التأمين، أو غموض في توزيع المسؤوليات.
وهذا بالضبط ما يجعل البدء بمذكرة تفاهم أكثر أمانًا من تأسيس شركة استثمارية مباشرة. مذكرة التفاهم تسمح بالتعاون دون التزام مالي أو قانوني سابق لأوانه. أما تأسيس شركة فعلية فيجب ألا يتم إلا بعد أن تكون الفرص الاستثمارية واضحة، والمخاطر محددة، والهياكل القانونية محكمة، والتأمينات كافية، وحدود المسؤولية مصممة بطريقة تحمي أموال الضمان من أي امتداد غير مقصود للمسؤولية.
يجب أن تشمل العناية الواجبة لأي فرصة مستقبلية مراجعة قانونية مستقلة تغطي حدود مسؤولية المساهمين، والضمانات المطلوبة، والمخاطر البيئية، وشروط التأمين، والاختصاص القضائي، وآلية فض النزاعات، والتزامات الأطراف تجاه الغير، واحتمالات امتداد المسؤولية خارج حدود الشركة. كما يجب أن تشمل مراجعة فنية وتجارية ومالية تحدد العائد المتوقع، والمخاطر، وحجم رأس المال المطلوب، وفترة الاسترداد، وآلية الخروج.
ومن المهم أيضًا النظر إلى اتساع القطاعات المذكورة في الخبر. فالاستثمار في تكنولوجيا المعلومات يختلف عن الاستثمار في التعدين. والزراعة تختلف عن البنية التحتية. والسياحة تختلف عن الطاقة. والمستلزمات الطبية تختلف عن الخدمات اللوجستية. ولكل قطاع مخاطره القانونية والمالية والتشغيلية والتنظيمية. لذلك فإن وضع هذه القطاعات جميعًا تحت عنوان واحد دون ترتيب أولويات ومعايير واضحة قد يخلق حالة من الاتساع غير المنضبط.
الأفضل أن يبدأ التعاون بقطاعات محدودة وواضحة، وأن يتم اختيار الفرص واحدة تلو الأخرى، لا أن تُفتح شركة واسعة الأهداف ثم تبدأ بالبحث عن مشاريع لتبرير وجودها. فالاستثمار الرشيد لا يبدأ بإنشاء الوعاء، بل يبدأ بتحديد الفرصة. وإذا كانت الفرصة مجدية، يمكن عندها تصميم الوعاء القانوني والمالي المناسب لها.
كما يجب عدم الخلط بين الاستثمار الوطني والتنمية العامة. نعم، الأردن بحاجة إلى مشاريع منتجة، وفرص عمل، وشراكات عربية، واستثمارات طويلة الأجل. لكن أموال الضمان يجب ألا تتحول إلى أداة لتمويل مشاريع ضعيفة الجدوى فقط لأنها تحمل عنوانًا استراتيجيًا أو سياسيًا. إذا كان المشروع تنمويًا لكنه غير مجدٍ تجاريًا أو عالي المخاطر، فهناك أدوات حكومية أخرى لمعالجته. أما صندوق استثمار أموال الضمان، فيجب أن يتصرف كأمين على أموال تقاعدية، لا كممول عام للمشاريع.
إن الموقف المتوازن لا يرفض التعاون الأردني العُماني، بل يدعو إلى إعادة ترتيب الصيغة. المطلوب ليس اتفاقية استثمار مباشرة، بل مذكرة تفاهم للتعاون الاستثماري المستقبلي. والمطلوب ليس شركة برأسمال محدد قبل وضوح الفرص، بل إطار تعاون يسمح بدراسة الفرص ثم اختيار المجدي منها. والمطلوب ليس ضخ أموال الضمان في كيان جديد، بل الالتزام بأن كل دينار لا يُستثمر إلا بعد دراسة جدوى وعناية واجبة وموافقة حوكمة مستقلة.
القاعدة التي يجب أن تحكم هذا الملف بسيطة وواضحة: وقّعوا التعاون مبكرًا، لكن لا تستثمروا إلا بعد الدليل.
فالتعاون لا يضر إذا كان منظمًا وغير ملزم ماليًا قبل أوانه. أما الاستثمار فيجب أن يكون مبنيًا على الأرقام، والدراسات، والمخاطر المحسوبة، والعائد القابل للقياس، والحماية القانونية الكافية.
إن أموال الضمان ليست مجرد رقم في بيان حكومي، وليست مالًا متاحًا لكل مشروع يحمل عنوانًا جذابًا أو شريكًا معتبرًا. هي أموال لها أصحاب حقيقيون، حتى وإن لم يكونوا على طاولة القرار. أصحابها هم العاملون، والموظفون، والمتقاعدون، والمشتركون، والأجيال القادمة التي تنتظر أن تدار أموالها بحكمة وشفافية ومسؤولية.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: مع من نستثمر؟
بل: لماذا نستثمر؟ وكيف نستثمر؟ وما العائد؟ وما المخاطر؟ وما الضمانات؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا لم تتحقق النتائج؟
الخلاصة أن الشراكة الأردنية العُمانية يمكن أن تكون فرصة اقتصادية واعدة إذا بدأت من الطريق الصحيح. والطريق الصحيح يبدأ بالتعاون لا بالالتزام الاستثماري المبكر، ويبدأ بالدراسة لا بضخ رأس المال، ويبدأ بالعناية الواجبة لا بالإعلان الإعلامي، ويبدأ بحماية أموال الضمان لا بتجميل عنوان الشراكة.
الأردن بحاجة إلى استثمارات وشراكات عربية جادة، لكن حاجته إلى الحوكمة والشفافية وحماية أموال المواطنين لا تقل أهمية. فالاستثمار الناجح لا يُبنى على حسن النوايا وحدها، بل على الدراسة، والانضباط، والحماية القانونية، والقرار المسؤول.
أموال الضمان أمانة وطنية. ومن يتعامل معها يجب أن يتذكر دائمًا أن الحذر هنا ليس تعطيلًا للاستثمار، بل شرط أساسي لحمايته.
