أخبار

إلى زعماء العرب… امتلاك الأوراق لا يكفي إذا تفاوضنا بها فرادى


 

كتب : زياد فرحان المجالي – عمّان

المشكلة ليست في أن تكون للولايات المتحدة مصالح ونفوذ وتحالفات واسعة في الشرق الأوسط. فهذا جزء من واقع دولي تشكل عبر عقود من الأمن والسلاح والطاقة والتجارة. والمشكلة ليست أيضاً في أن تحافظ الدول العربية على علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن.

المشكلة تبدأ عندما تتحول العلاقة من تبادل مصالح إلى شعور بأن البديل غير موجود، وأن أمن المنطقة واقتصادها واستقرارها لا يمكن أن تُناقش إلا من بوابة واحدة.

في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 أيلول/سبتمبر 2026، أعاد الرئيس دونالد ترامب تأكيد فلسفة سياسية واضحة تقوم على إظهار القوة الأميركية والاستعداد لاستخدامها، وخصّ إيران بجزء بارز من خطابه، مؤكداً رفضه السماح لها بامتلاك سلاح نووي. هذه ليست لغة دبلوماسية تقليدية بقدر ما هي تعبير عن إدارة ترى أن إظهار القوة جزء من عملية التفاوض نفسها.

ومن هنا يبدأ السؤال العربي الحقيقي:

بأي أوراق نذهب نحن إلى طاولات القوى الكبرى؟

ليست الدعوة إلى مواجهة واشنطن، ولا إلى استبدالها ببكين أو موسكو. فالانتقال من اعتماد كامل على قطب إلى اعتماد كامل على قطب آخر لا يصنع استقلالاً في القرار، بل يغيّر عنوان الاعتماد فقط.

القوة الحقيقية هي أن تكون للدولة بدائل؛ والبديل لا يعني الخصومة، بل القدرة على المناورة.

إيران، رغم الحرب والضغط والعقوبات، تحاول الاحتفاظ بهذه المساحة. ففي 16 أيلول/سبتمبر التقى وزير خارجيتها عباس عراقجي نظيره الصيني وانغ يي في بكين، حيث أكدت الصين شراكتها الاستراتيجية مع إيران، وفي الوقت نفسه دعت طهران وواشنطن إلى ضبط النفس وإعادة بناء آلية التفاوض.

وفي اليوم التالي استخدمت الصين وروسيا حق النقض ضد تمديد آلية مستقلة لمراقبة العقوبات الأممية على إيران؛ وهي خطوة انتقدتها دول غربية، بينما رأت بكين وموسكو أن الملف أصبح خاضعاً للتسييس.

المغزى هنا ليس أن النموذج الإيراني يجب أن يكون نموذجاً للعرب، ولا أن الصين حليف مجاني لطهران. الصين تتحرك وفق مصالح الصين، كما تتحرك أميركا وفق مصالحها، وروسيا وفق حساباتها.

وهذه هي القاعدة التي ينبغي أن نستعيدها عربياً:

العالم لا يقدم خدمات مجانية، والدولة التي لا تملك بدائل تقل قدرتها على تحسين شروط التفاوض.

والعرب، خلافاً لما توحي به صورة الضعف السياسي الراهنة، لا يفتقرون إلى الأوراق.

لدينا الطاقة، والموقع الذي يربط آسيا بأوروبا وأفريقيا، والموانئ، والممرات البحرية، والصناديق السيادية الكبرى، والأسواق، والاستثمارات، وقدرات متنامية في التكنولوجيا واللوجستيات والطاقة المتجددة.

لكن أوراق القوة المتفرقة لا تساوي قوة جماعية بالضرورة.

حين تفاوض كل عاصمة وحدها على أمنها وسلاحها واستثماراتها وحدودها، تصبح قوة المنطقة موزعة على ملفات منفصلة. أما عندما يتشكل حد أدنى من التنسيق في الطاقة والأمن والممرات والاستثمار والتكنولوجيا، فإن القيمة السياسية لهذه الأوراق تتغير.

ولا يعني ذلك العودة إلى شعارات الوحدة التي تجاوزتها الوقائع، بل بناء شبكة مصالح عربية تسمح لكل دولة بالحفاظ على سيادتها ومصالحها، مع إدراك أن بعض الملفات تصبح كلفتها أكبر حين تُدار منفردة.

حتى العلاقة الأميركية–الإيرانية نفسها تكشف هذه الحقيقة. فبرغم الحرب والتهديدات المتبادلة، استمرت قنوات واتصالات متقطعة بين الطرفين، لأن الخصومة لا تلغي الحاجة إلى التفاوض عندما تصبح كلفة الصدام مرتفعة.

وهنا رسالتي إلى زعماء العرب:

لا تقطعوا جسراً مع واشنطن، ولا تبنوا وهماً بأن الصين ستستبدل أميركا، ولا تجعلوا الخلاف مع إيران يمنع إدارة المصالح معها حيث تقتضي المصلحة.

لكن الأهم: لا تدخلوا إلى عالم الصفقات من دون بدائل.

فالعلاقات الدولية لا تقوم على المحبة أو العداء الدائم، بل على المصالح والقدرة على حماية تلك المصالح.

وعندما يمتلك العرب مشروعاً للتنسيق في الأمن والطاقة والاقتصاد والممرات والتكنولوجيا، يصبح اللقاء مع واشنطن تفاوضاً على المصالح، وتصبح العلاقة مع بكين خياراً إضافياً، ويصبح الحوار مع طهران أداة لإدارة الخلاف لا اعترافاً بالهيمنة.

العالم يتغير بسرعة، ومراكز القوة تتعدد.

والسؤال لم يعد: مع من يقف العرب؟

بل السؤال الأهم:

ما الذي يملكه العرب عندما يقفون أمام الآخرين؟

لأن امتلاك الأوراق لا يكفي…

إذا جلس كل عربي إلى الطاولة يحمل أوراقه وحده.



Source link

السابق
الصفدي يدعو لإيقاف العنصرية “الإسرائيلية” بحق أطفال فلسطين