اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني –
لم تكن المستشفيات في قطاع غزة ضحايا جانبية لآلة الحرب الصهيونية، بل كانت ــ وفق الوقائع الميدانية وما تقرره قواعد القانون الدولي الإنساني ــ أهدافاً تعرضت لاستهداف متكرر ومنهجي. فالمشهد غير المسبوق لتدمير البنية الصحية في القطاع لا يمكن تفسيره باعتباره سلسلة من “الأخطاء العسكرية”، بل يعكس سياسة هدفت إلى تدمير أحد أهم مقومات صمود المجتمع الفلسطيني، وحرمان المدنيين من حقهم الأساسي في العلاج والحياة.
استهداف المنظومة الصحية… سياسة لا أخطاء حرب
تكشف الأرقام حجم الكارثة بصورة لا تحتمل التأويل. فوفق تقارير أممية ودولية، تعرض أكثر من 32 مستشفى من أصل 36 في قطاع غزة للاستهداف، ما أدى إلى خروج معظمها عن الخدمة كلياً أو جزئياً، بينما تحولت مجمعات طبية كبرى، مثل مجمع الشفاء ومستشفى ناصر، إلى ركام ومواقع للموت بعد أن كانت ملاذاً للجرحى والمرضى.
ولم يقتصر الاستهداف على المباني والمنشآت، بل امتد إلى البشر الذين يحملون رسالة الطب والإنقاذ. فقد قُتل أكثر من ألف من أفراد الكوادر الطبية، بينهم أطباء استشاريون وجراحون من أصحاب الخبرات النادرة، كما اعتُقل مئات الأطباء والمسعفين، واستشهد بعضهم داخل أماكن الاحتجاز وفق تقارير حقوقية.
وعندما تُقصف غرف العمليات، وتُمنع سيارات الإسعاف من الوصول إلى الجرحى، ويصبح الطبيب والممرض هدفاً أثناء أداء واجبه الإنساني، فإن الأمر يتجاوز مجرد انتهاك للقانون الدولي الإنساني، إلى جريمة “الإبادة الطبية” (Medicide) مكتملة الأركان، بوصفها سياسة تستهدف القضاء على المنظومة الصحية باعتبارها ركناً أساسياً لبقاء المجتمع.
وثائقي يحول الشهادات إلى أدلة إدانة
وسط هذا المشهد، يبرز الفيلم الوثائقي الاستقصائي البريطاني “غزة: أطباء تحت النار” Gaza Doctors Under Attack بوصفه أكثر من مجرد عمل إعلامي؛ فهو محاولة جادة لتوثيق واحدة من أخطر الجرائم المرتكبة بحق القطاع الصحي في العالم.
وقد اكتسب الفيلم أهمية استثنائية بعد فوزه بجائزة “بافتا” (BAFTA) لعام 2026، ليحصل على اعتراف مهني عالمي بقيمته الصحفية والإنسانية. ولا يقوم الفيلم على استثارة العواطف بقدر ما يعتمد منهجية التحقيق الاستقصائي، مستنداً إلى شهادات موثقة، وصور ميدانية، وتحليل للأحداث، بما يتيح للمشاهد رؤية متكاملة لحجم الاستهداف الذي تعرض له القطاع الصحي. فهو يرفع النقاب — بمنهجية التحقيق الجنائي الاستقصائي — عن آلية صُنع القرار العسكري والسياسي الذي جعل من اللباس الأبيض وشارات الإسعاف أهدافاً مشروعة في بنك الأهداف الصهيونية.
وتكمن القيمة الحقيقية لهذا العمل في قدرته على تحويل الأرقام الجامدة إلى قصص إنسانية، والشهادات الفردية إلى سردية موثقة تضع العالم أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية. فهو ينقل معاناة الأطباء الذين اضطروا إلى إجراء عمليات جراحية دون تخدير، والاختيار بين المرضى في ظل انعدام الإمكانات، والعمل داخل مستشفيات تتعرض للقصف بصورة متكررة، في مشهد غير مسبوق في التاريخ الطبي الحديث.
لقد تحولت المستشفيات، التي تكفل اتفاقيات جنيف حمايتها، إلى ساحات حرب مفتوحة، وأصبح الالتزام بقسم أبقراط سبباً يعرض أصحابه للموت أو الاعتقال.
حين يصبح كشف الحقيقة معركة بحد ذاته
ولم تتوقف المعركة عند حدود إنتاج الفيلم، بل امتدت إلى محاولة منعه من الوصول إلى الجمهور.
فقرار هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) عدم بث الفيلم بعد أشهر من المراجعات والنقاشات أثار جدلاً واسعاً، وطرح تساؤلات حول قدرة بعض المؤسسات الإعلامية الغربية على المحافظة على استقلاليتها عندما تتقاطع التغطية الصحفية مع اعتبارات سياسية شديدة الحساسية. لقد كان هذا المنع محاولة صريحة لفرض رقابة سياسية وحظر السردية التي تفضح التدمير الإسرائيلي المخطط له.
لكن انتقال الفيلم إلى منصات إعلامية أخرى، وفي مقدمتها “القناة الرابعة” البريطانية ومنصة “زيتيو”، وما رافق ذلك من احتجاجات قادها مئات الفنانين والإعلاميين، أكد أن محاولات الحد من انتشار العمل لم تمنع وصوله إلى الرأي العام، بل أسهمت في زيادة الاهتمام به، وأعادت النقاش حول حرية الصحافة وحق الجمهور في الاطلاع على الوقائع الموثقة، ودليلاً على أن الضمير العالمي — المتمثل في مئات الفنانين والإعلاميين الذين احتجوا على المنع — بات يرفض شطب الجريمة وتبرئة الفاعل.
الدور العربي المؤسسي… من التغطية إلى صناعة الأثر
إذا كان الفيلم قد نجح في الوصول إلى منصة عالمية مرموقة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا بعد؟
إن قيمة هذا الإنجاز لا تكتمل بمجرد الاحتفاء بالجائزة، وإنما بتحويل الفيلم إلى أداة لتعزيز الوعي العالمي بحقيقة ما جرى ويجري في غزة، وهنا تبرز مسؤولية الإعلام العربي ومؤسساته الرسمية والأهلية.
يمكن للمؤسسات الرسمية العربية أن تتبنى عرض الفيلم في المحافل الدولية، وتنظم عروضاً خاصة داخل السفارات العربية والمنظمات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان، ليكون مرجعاً بصرياً داعماً للجهود القانونية والحقوقية الرامية إلى مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات.
ولا ينبغي أن يقتصر دور وسائل الإعلام العربية على تغطية خبر فوز الفيلم، بل يمكنها السعي إلى الحصول على حقوق بثه، وترجمته إلى لغات متعددة، وإعادة تقديمه عبر المنصات الرقمية، مع تنظيم حوارات وبرامج تستضيف صناع الفيلم والأطباء الذين وثقوا شهاداتهم، بما يعزز وصول الرواية الموثقة إلى جمهور أوسع.
الأفراد وصناع المحتوى
أما صناع المحتوى والصحفيون والناشطون، فيملكون أدوات مؤثرة في فضاء الإعلام الرقمي. ويمكنهم المساهمة في نشر الرسائل الأساسية للفيلم عبر مقاطع قصيرة مترجمة، وإبقاء النقاش حياً على منصات التواصل الاجتماعي، بما يساعد في إيصال الحقائق إلى مختلف المجتمعات بلغاتها وأدواتها الإعلامية.
وثائقي سيبقى شاهداً على الجريمة
إن فيلم “غزة: أطباء تحت النار” هو أكثر من مجرد وثائقي؛ إنه نصب تذكاري لشهداء الواجب الإنساني، ومرآة كاشفة لازدواجية المعايير الدولية. هذا العمل يُثبت للعالم أن اغتيال المنظومة الصحية لم يكن عملا عشوائياً فرضته ظروف المعركة، بل هو استراتيجية إفراغ للأرض من مقومات الحياة، حُكم عليها اليوم — بفضل قوة التوثيق الحر والتبني العربي الشعبي والمؤسسي المفترض — أن تظل حية في الذاكرة القانونية والإنسانية كواحدة من أبشع جرائم العصر الحديث التي لن يسقط الحق فيها بالتقادم.
